نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المؤتمرات بين الألم والنجاح, اليوم الاثنين 22 يونيو 2026 09:53 مساءً
خلال ربع قرن من العمل وحضور المؤتمرات والمعارض، والعمل بين الإعلام وبين العمل الخاص، تبين لي أن الحدث الناجح ليس مجرد جدول زمني وصالة مليئة، بل هو تجربة تحولية تبني جسورا بين العقول وتدفع الاقتصادات إلى الأمام، وربما تكون مرآة تعكس جودة تطلعاتنا ومستقبلنا.
واليوم، وخاصة بعد الرؤية شهد هذا القطاع تميزا نوعيا يرتقي «نوعا ما» بتطلعات السوق، ولكن مع ظهور جائحة كوفيد 19 واجه هذا القطاع تحديات جعلته يقف عند مفترق طرق؛ رغم نمو السوق العالمية بقوة، لا تزال المشاكل الهيكلية تعيق تقدم هذا القطاع.
يقدر حجم سوق المؤتمرات والمعارض والاجتماعات (MICE) عالميا بحوالي 945.59 مليار دولار في 2025، ويتوقع أن يصل إلى نحو 1.83 تريليون دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب 8.6%، حسب تقارير Grand View Research، هذه الأرقام مشجعة، لكنها تخفي وراءها صعوبات يومية يعيشها المنظمون.
وأول ما يواجه هذا القطاع دائما هو «التكاليف الباهظة»، في المقابل البحث عن رعاة موثوقين أصبح سباقا مع الزمن، والمشاركون يترددون بسبب رسوم التسجيل التي قد تصل أحيانا إلى مبالغ مكلفة خاصة لدى المنتسبين من الدول النامية؛ ثم تأتي مشكلة «جذب المتحدثين الكبار»؛ فهم مشغولون بسبب مكانتهم العلمية، وبعضهم متطلب لقيمة حقيقية مقابل وقته وإن كان ذلك حقا مشروعا لهم، وضعته من ضمن الصعوبات.
ومن التجارب المرة التي رأيتها وعايشتها، انتشار ما يسمى بـ«المؤتمرات المفترسة» هذه الأحداث التي تبدو علمية على الورق، لكنها في الواقع مصممة لجني الأرباح فقط، فهناك دراسات تكشف كيف يخدع آلاف الباحثين كل عام، فتضيع أموالهم وأوقاتهم في فعاليات تفتقر إلى المراجعة العلمية الحقيقية، فبعض تلك المؤتمرات قد لا يكون بها لجنة رصينة لفرض مراجعات علمية لمواد المؤتمر، وأيضا أنوه هنا أنني لست ضد الربحية ولكن يجب أن لا تطغى على الأهداف السامية لتلك المؤتمرات.
لنضيف على ذلك مشكلة التداخل الزمني بين الفعاليات الكبرى، والتي تأتي الجدولة لها في أوقات متشابهة، فتحرم الحضور من حضور أكثر من فعالية وتحصيل الاستفادة منها.
لنعود ونعرج عن المملكة، الأمر مختلف تماما في رؤية 2030، حيث مكنت من تحول القطاع من مجرد نشاط جانبي إلى محرك اقتصادي واعد، كان حجم سوق MICE حوالي 2.6 مليار دولار في 2024، ويتوقع أن يصل إلى 4.6 مليارات دولار بحلول 2030، بنمو سنوي مركب يقارب 11%، وفقا لتقارير MarkNtel Advisors، وهذا معدل نمو أكبر من المعدل العالمي هذا للقطاع.
عايشت بنفسي كيف غيرت الاستثمارات في مراكز المعارض بالرياض وجدة والخبر، ومشاريع نيوم والقدية، وتسهيلات التأشيرات الجديدة، وجهة المملكة، كحاضنة للفعاليات الكبرى مثل LEAP ومبادرة مستقبل الاستثمار، جوي أوورد، والمؤتمر السعودي للإعلام، وملتقى الصحة العالمي وغيرها الكثير، حتى أصبحت نموذجا، لكن التحدي لا يزال في بناء كفاءات محلية متخصصة وتعزيز التنسيق بين الجهات.
ومن وجهة نظري هناك أمور قد نرغب في استدراكها مستقبلا لتضفي الجديد والمزيد من النجاح على سوق المؤتمرات في المملكة، ويجب أن نرتقي بخمسة أمور عملية وهي:
- التخطيط المبكر والذكي، حيث يبدأ غالبا العمل على فعالية جديدة قبل 18 شهرا، بتشكيل لجنة متوازنة، وتحدد منها أهداف واضحة، مع وضع ميزانية مع حساب هامش احتياطي للتقدير النهائي للفعالية، وهناك نسب عالمية معروفة تحسب لمثل هذه المناسبات.
- النماذج الهجينة المدروسة، والمقصود ليس مجرد بث مباشر، بل تجربة متكاملة تستفيد من الذكاء الاصطناعي للتخصيص والتفاعل.
- الاستدامة كميزة تنافسية، اعتمد معايير ISO 20121، اختر مواقع خضراء، وقلل الطباعة والنفايات. المشاركون يفضلون اليوم الأحداث المسؤولة.
- الشراكات الحقيقية، لا أقصد الرعاة فقط؛ بل تحالفات طويلة الأمد مع الجامعات والجهات الحكومية والقطاع الخاص.
- قياس الأثر، استخدم أدوات تحليل البيانات لقياس العائد على الاستثمار، وجمع آراء المشاركين بشكل منهجي لفرض التحسين المستمر.
ولا أخفي عليكم أنه يجب على الجهات الرسمية التي تصدر تراخيص المؤتمرات، أن ترفع من سقف الشروط لتناسب الطموح، ولا أعني بالضرورة تعقيد الإجراءات بل تحسين تلك التي تعود على تحسين الجودة للمؤتمرات والفعاليات، لنصل إلى مستوى عالمي يضع المملكة كدولة يشار لها في تنظيم المؤتمرات وتقلد أفكارها، وتكون مثالا ومقياسا عالميا للنجاح.
في النهاية، تنظيم المؤتمرات ليس صناعة فقط، بل هو استثمار في المستقبل البشري. إذا تجاوزنا التحديات بالابتكار والتعاون، سنشهد عصرا ذهبيا جديدا لهذا القطاع، الفرصة أمامنا الآن، وعلينا أن نغتنمها بحكمة.















0 تعليق