كابوس الإشارة الضوئية الصفراء

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كابوس الإشارة الضوئية الصفراء, اليوم الأحد 4 يناير 2026 02:15 صباحاً

كنت أقود سيارتي في شارع الأمير محمد بن عبد العزيز - التحلية سابقا - بمدينة الرياض، وكما يعلم الجميع فعلى طول الطريق إشارات ضوئية مرتبطة بكاميرات ترصد المخالفين. لست في عجلة من أمري فأنا أسير بشكل طبيعي حتى توقفت عند الإشارة الحمراء. انتظرت قليلا حين تحولت هذه الإشارة إلى اللون الأخضر فتحرنا جميعا بثقة وكأننا في مراسم تتويج أو حدث احتفالي. تقدمت السيارات الواحدة تلو الأخرى بحركة انسيابية حتى اقتربت سيارتي من الصف الأول وجاء دوري للعبور. راقبت الطريق بكل ثقة وهدوء حتى وصلت بمقربة من مسار المشاة المخطط؛ عندئذ تحولت الإشارة الضوئية فجأة إلى اللون الأصفر ليتغير المشهد تماما. السيارة التي خلفي تسير مسرعة فهو لن يتوقع مني التوقف المفاجئ؛ لأني وصلت بمحاذاة طريق المشاة المخطط. أما أنا فلا أعلم المدة الزمنية التي سوف تبقى فيها الإشارة باللون الأصفر؟ أنا حائر بين نارين؛ إن توقفت بشكل مفاجئ فسوف تصطدم بي السيارة التي من خلفي لا محالة؛ وإذا واصلت السير فالسيارة التي أمامي تسير ببطء وكأنها تتعمد تأخير العبور. عشت حالة حقيقية من الارتباك، ففي ثواني معدودة تحول مشهد الثقة إلى كابوس حقيقي، حيث تعطل التناغم بين العين والقدم. نعم، فما أن تحولت الإشارة الى اللون الأصفر حتى توقفت جميع الإشارات العصبية في جسدي وتعطل التوافق العصبي العضلي بين قدمي وعقلي فلم أعد قادرا على اتخاذ قرار التوقف أم الاستمرار. أسير في طريق مفتوح، وخلفي سيارة مسرعة، وأمامي سيارة تسير ببطء وفوقي طريق مزروع بكاميرات تراقب المشهد بصمت حازم.

بدأ العرق يتصبب مني، وتسارعت دقات قلبي، وتحول القرار إلى معضلة مربكة. في تلك اللحظة، قدمي كانت تريد معرفة القرار النهائي وتتساءل هل أضغط على المكابح أم دواسة الوقود؟ لكن عقلي لم يعطها الجواب؛ لأنه تعطل هو الآخر والعجلات بقيت تدور وتواصل السير تلقائيا حتى المنطقة الرمادية، تلك المساحة الوسطية التي تشرف على جميع الإشارات الضوئية وهي منطقة لا تنتمي الى الوقوف أو العبور. سيارتي توسطت هذه المنطقة، والأنظار تتجه نحوي؛ شعرت حينها وكأني عارضة أزياء كانت واثقة من نفسها ثم سقطت على خشبة المسرح؛ وكل الأضواء والفلاشات مسلطة نحوها ولكن بلا تصفيق. فقدت الإحساس بالزمان والمكان، ولم أعد أعرف لون الإشارة هل ما زالت صفراء أم تحولت إلى حمراء؟ آه كم تمنيت لو كانت لي رقبة زرافة حتى أستطيع الالتفات إلى الخلف لأتأكد من لون الإشارة، بدلا من البقاء تائها في هذا المشهد المفتوح على كل الاحتمالات. إنها ثوان قليلة، بل أجزاء من الثانية لكنها كانت كافية لتكشف هشاشة القرار حين يترك السائق بلا معلومة واضحة.

كابوس الإشارة الصفراء، مشهد مرعب يتكرر يوميا مع الكثير. هذه الإشارة الصفراء، التي يفترض أن تكون أداة انتقال آمنة، تتحول إلى كابوس واختبار نفسي. القرار يطلب اتخاذه بسرعة، دون أن يمنح السائق الوقت أو المؤشر الذي يساعده على التقدير، والنتيجة قلق وخوف وتوتر. الكاميرات، والعقوبات، واللوائح لا تكفي وحدها لصناعة طريق آمن. ما نحتاجه فعلا هو ألوان أرضية تحذيرية وتصميم ذكي يقدم المعلومة في الوقت المناسب. ببساطة عداد تنازلي للإشارة المرورية، يوضح الثواني المتبقية قبل أن يتغير اللون. هذا العداد هو أداة سلوكية فعالة تمنح السائق القدرة على التنبؤ واتخاذ قرار بلا تردد أو خوف لينهي تماما كابوس الإشارة الصفراء.

أخبار ذات صلة

0 تعليق