نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
غش الميزان أم اختلال الإنسان (2-2), اليوم الاثنين 24 أغسطس 2026 01:38 مساءً
طرحت في مقال أمس سؤالا مهمًّا رغم أنه قد يبدو قاسيًا، لكنه ضروري. فحين تتكرر وقائع الغش في الطعام والدواء والتعليم والتجارة والخدمات، وحين يصل الأمر إلى استخدام الفحم بدلًا من الكاكاو في صناعة البسكويت، يصبح من الصعب أن نكتفي بمناشدة الضمائر أو ترديد عبارات الأمانة.. فهل تُستجدى ضمائر الناس للكف عن الغش؟!
الضمير مطلوب، بل هو خط الدفاع الأول، لكن هل يمكن أن نطلب من الضمير وحده أن يحرس الأسواق والمصانع والمدارس والمستشفيات؟ وهل يكفي أن نقول للغاش: اتقِ الله، بينما تظل أرباح الغش أكبر من كلفة العقوبة؟ الإجابة ببساطة: لا.
نحن لا نستجدي الضمير، وإنما نبنيه ونوقظه، وفي الوقت نفسه نضع قانونًا يجعل الغش مكلفًا، ورقابة تجعل اكتشافه محتملًا، وعقوبة تجعل الإفلات منه مستحيلًا أو شديد الصعوبة.. فالضمير يحرس الإنسان حين يغيب الرقيب، لكن القانون يحمي المجتمع حين يضعف الضمير.
ومن هنا فإن مواجهة الغش لا تكون بالوعظ وحده، ولا بالعقوبة وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة: تربيةٌ تصنع الضمير، ورقابةٌ تمنع التلاعب، وقانونٌ يردع، وعدالةٌ سريعة لا تسمح بأن يتحول الغش إلى استثمار مضمون الأرباح.
لقد قال النبي ﷺ: «من غش فليس مني». وهذه ليست دعوة إلى الاستجداء، وإنما إعلان واضح عن خطورة السلوك. فالإسلام لم يكتفِ بأن يطالب الناس بالأمانة، بل أقام منظومة أخلاقية وتشريعية تحمي الحقوق وتمنع الظلم.
ولهذا لا بد من رقابة ذكية تتجاوز الحملات الموسمية؛ رقابة تعتمد على تتبع السلعة من مصدرها إلى المستهلك، وفحص الخامات، وتحليل المخاطر، وإعلان نتائج الحملات بشفافية، وسرعة الفصل في القضايا، وحماية المبلّغين، وربط المسؤولية بالمنشأة ومن يقف وراءها.
فالذي يغش في الطعام ليس كمن يرتكب مخالفة هامشية؛ لأنه يضع صحة الناس في دائرة الخطر. والذي يغش في الدواء قد يعبث بحياة مريض. والذي يغش في التعليم لا يزوّر ورقة فحسب، وإنما قد يصنع طبيبًا أو مهندسًا أو موظفًا لا يملك الكفاءة التي يفترض أن تحملها شهادته.
وهنا يجب أن تكون العقوبة على قدر الضرر. فما جدوى أن يحقق الغشاش أرباحًا ضخمة، ثم يدفع غرامة لا تساوي شيئًا من مكاسبه؟ وما الذي يمنع تكرار الجريمة إذا كان المخالف يراهن على بطء الإجراءات أو ضعف الرقابة؟ الردع الحقيقي ليس في قسوة العقوبة وحدها، وإنما في يقين المخالف بأن العقوبة ستصل إليه.
لكن، هل يعني ذلك أن نغرق في العقوبات وننسى التربية؟ أيضًا لا. فالقانون يستطيع أن يمنع طالبًا من الغش داخل اللجنة، لكنه لا يستطيع أن يجعله محبًا للعلم. ويستطيع أن يغلق مصنعًا مخالفًا، لكنه لا يزرع الأمانة في صاحبه. ويستطيع أن يعاقب موظفًا فاسدًا، لكنه لا يصلح وحده بيئة العمل التي سمحت بالفساد.
هنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والإعلام ومكان العمل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فالأمانة ليست مادة دراسية تحفظها الأجيال ثم تنساها، وإنما سلوك يومي يتعلمه الطفل من أبويه، والطالب من مدرسته، والموظف من مؤسسته، والمواطن من مجتمعه.
والأهم أن نعيد تعريف «الشطارة». لماذا أصبح من يستطيع التحايل «شاطرًا»؟ ولماذا ينظر أحيانًا إلى الأمين باعتباره ساذجًا؟ أليس الشاطر حقًا هو من يربح دون أن يخدع، وينجح دون أن يظلم، وينافس دون أن يفسد؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث أن يصبح الأمين هو الخاسر.
تاجر يلتزم بالمواصفات فيجد منافسه يغش ويبيع أرخص. طالب يجتهد فيجد زميله يغش ويحصل على الدرجة نفسها. موظف يرفض الرشوة فيجد من حوله يحققون مصالحهم بالتحايل. إذا حدث ذلك، فإننا لا نعاقب الغشاش فقط، وإنما نحتاج إلى حماية الأمين أيضًا.
وهنا تصبح الدولة مطالبة بأن تجعل المنافسة عادلة، وأن تحمي الملتزم، وأن تجعل تكلفة الغش أعلى من أرباحه، وأن تضمن أن الشكوى تصل إلى نتيجة، وأن يشعر المواطن بأن القانون يقف إلى جانبه. أما المجتمع، فعليه أن يتوقف عن الاحتفاء بالفهلوة.
فليس كل من عرف كيف يفلت من القانون ذكيًا، وليس كل من كسب مالًا ناجحًا، وليس كل من حصل على شهادة متعلمًا. النجاح الحقيقي هو أن تصل دون أن تدوس على حق أحد. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. فالغش في النهاية ليس نقصًا في الوزن فقط؛ إنه نقص في الإنسانية.
ولذلك فإن المعركة ليست مع الفحم الذي وُضع في البسكويت وحده، ولا مع طالب غش في امتحان، ولا مع تاجر أخفى عيبًا في سلعة. المعركة مع فكرة أخطر: أن يصبح الغش وسيلة طبيعية للحياة. فإذا صار السؤال قبل كل مخالفة: هل سيراني أحد؟ بدلًا من هل ما أفعله حق؟، فقد انتقلنا من أزمة قانون إلى أزمة ضمير.
وهنا لا نستجدي الضمير، وإنما نعيد بناءه. نربيه في البيت، ونحميه في المدرسة، ونكافئه في العمل، ونحمي صاحبه بالقانون، ونردع من يعتدي عليه. فإذا كان القانون يحرس المجتمع من الخارج، فإن الضمير يحرسه من الداخل. وحين يجتمع الاثنان، يصبح الغش مخاطرة خاسرة وسلوكًا قبيحًا.
أما إذا غاب القانون، ضعف الردع؛ وإذا غاب الضمير، ماتت الأمانة. وأخطر ما نغشه في النهاية ليس طعامًا ولا دواءً ولا امتحانًا؛ إننا نغش مستقبل مصر. فهل نستطيع أن نعيد للغش قبحه، وللأمانة هيبتها، وللنجاح معناه؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي لا يحتاج إلى لجنة مراقبة.


















0 تعليق