تنظيم القرار الاقتصادي وتفعيل التمويل المنتج وبناء قاعدة صناعية مستدامة من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج والمعرفة.. بقلم: طارق جعفر الوزان

جريد الأنباء الكويتية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بقلم: طارق جعفر الوزان - باحث في الشؤون النفطية والاقتصادية - الكويت

في النقاشات الاقتصادية حول مستقبل الكويت، كثيرا ما يختزل التحدي في مستوى الإيرادات النفطية أو في قدرة الدولة على الاستمرار في الإنفاق.

ورغم شيوع هذا الطرح، إلا أنه لم يعد كافيا لتوصيف جوهر الإشكالية الاقتصادية في مرحلتها الراهنة، فالكويت لا تواجه نقصا في الموارد، بقدر ما تواجه فجوة متنامية بين حجم ما ينفق وما يتحقق فعليا من إنتاج وقيمة مضافة، واستدامة اقتصادية طويلة الأجل.

فالتحول الاقتصادي المستدام لا يرتبط في جوهره بوفرة الموارد ولا بحجم الإنفاق، بل بقدرة الدولة على تنظيم القرار الاقتصادي، وتعزيز الالتزام المؤسسي، وتحويل السياسات العامة إلى نشاط إنتاجي فعلي، والتمويل إلى قيمة اقتصادية قابلة للتراكم، وتظهر التجارب الناجحة أن الاستدامة الاقتصادية تبدأ كخيار وطني واضح المعالم، قبل أن تتجسد لاحقا في مسارات تنموية وبرامج تنفيذية متدرجة.

لقد وفر النموذج الريعي للكويت، لعقود طويلة، مستويات عالية من الاستقرار الاجتماعي والمالي، وأسهم في بناء منظومة خدمات عامة واسعة، إلا أن هذا النموذج، بطبيعته، ركز على إعادة توزيع الدخل أكثر من تعظيم إنتاجه، وعلى توسع الإنفاق أكثر من قياس أثره، وعلى إدارة الاستقرار أكثر من بناء القدرة التنافسية. ومع تصاعد تقلبات أسواق الطاقة وارتفاع كلفة الالتزامات الجارية، بات هذا النموذج يواجه تحديات متزايدة في قدرته على دعم الاستدامة المالية، وفي خلق مسارات نمو متجددة خارج القطاع النفطي.

وفي عالم تحكمه المعرفة والتكنولوجيا وسلاسل القيمة العابرة للحدود، لم يعد النجاح الاقتصادي يقاس بحجم الميزانيات أو وفرة الاحتياطيات، بل بقدرة الدول على تحويل رأس المال - المالي والبشري - إلى أصول إنتاجية، ودخل متكرر، واقتصاد قادر على النمو الذاتي. وهنا تتجلى التحديات في الحالة الكويتية، لا بوصفها نقصا في الإمكانات، بل كحاجة ملحة إلى تحسين تنظيم القرار، وترتيب الأولويات، وربط السياسات بالنتائج القابلة للقياس.

توضيح المنهجية والأفكار

ما يطرحه هذا المقال ليس وصفة مالية جاهزة، ولا دعوة لخفض الإنفاق، ولا مطالبة بزيادة عدد المشاريع، بل محاولة لتقديم مقاربة مختلفة لآلية اتخاذ القرار الاقتصادي في الكويت. فالتحدي الأساسي لا يكمن في حجم الموارد المتاحة، بل في كيفية اتخاذ القرار بشأن توظيفها.

فعندما ينفق المال العام دون وجود آليات منتظمة لقياس الأثر الاقتصادي، وحين يمول النشاط دون ارتباط واضح بقيمة مضافة حقيقية، وحين تنشأ الوظيفة بوصفها إطارا إداريا أكثر من كونها دورا إنتاجيا، يصبح الإنفاق هدفا بحد ذاته، لا وسيلة لبناء قدرة اقتصادية متراكمة.

التحول الفعلي يبدأ عندما يربط كل دينار بالإنتاج، وكل تمويل بالقيمة، وكل وظيفة بدور اقتصادي واضح. عندها يتطور دور الدولة من مشغل واسع إلى منظم يحدد الاتجاه العام، ويتحول دور البنوك من ممول للدورة المالية إلى شريك في النشاط الإنتاجي، ويعاد تموضع المواطن بوصفه مساهما في بناء الاقتصاد، لا متلقيا دائما لعوائده.

سمات هيكلية تحكم المسار الاقتصادي

يتجلى الواقع الاقتصادي الحالي في 3 سمات هيكلية مترابطة تشكل، مجتمعة، دائرة يصعب تجاوزها دون تنظيم مسبق ومتدرج للقرار الاقتصادي.

تتمثل السمة الأولى في طبيعة الإنفاق العام، حيث يتركز ما يقارب 70 - 75% منه في مصروفات جارية ورواتب ودعوم لا تستهدف بالضرورة تكوين أصول إنتاجية أو توليد دخل متكرر، بل تترتب عليها التزامات مستمرة على المالية العامة، والتحدي هنا لا يتعلق بحجم الإنفاق بحد ذاته، بقدر ما يتعلق بغياب إطار منهجي يربط كل دينار ينفق بأثر اقتصادي واضح وقابل للقياس.

أما السمة الثانية فتتعلق بمحدودية الإنتاجية غير النفطية، فعلى الرغم من ارتفاع مستويات الدخل، لاتزال مساهمة القطاعات ذات القيمة المضافة العالية محدودة نسبيا، في حين يتركز النشاط في قطاعات خدمية منخفضة الإنتاجية أو أنشطة تعتمد، بشكل مباشر أو غير مباشر، على الإنفاق الحكومي. ويعكس ذلك نمطا اقتصاديا تتحقق فيه عوائد متناقصة من التوسع في الإنفاق، وهو ما يشير إلى تراجع كفاءة استخدام رأس المال العام.

وتكتمل الصورة بمحورية هيكل التوظيف، حيث يعمل ما يقارب 75 - 80% من المواطنين في القطاع العام، في نموذج تاريخي وفر الاستقرار الوظيفي، لكنه في الوقت ذاته قلص دور الدولة كممكن للنشاط الإنتاجي. وقد ترتب على ذلك نمو متسارع في فاتورة الرواتب، لم يقابله دائما توسع مواز في الإنتاجية، إضافة إلى تراجع الحوافز على الابتكار والعمل في القطاع الخاص، وتعميق الاعتماد على الإنفاق كأداة لمعالجة التوظيف بدل النمو الاقتصادي.

هذه السمات مترابطة بطبيعتها، ولا يمكن التعامل معها من خلال مبادرات متفرقة، بل عبر تنظيم متدرج ومسبق للقرار الاقتصادي، يراعي التوازن بين الاستقرار والتحول.

القانون والمساءلة: القاعدة الأساسية لأي تحول

معالجة هذه التحديات، مهما بلغت دقة تصميمها الفني، لا يمكن أن تنجح دون توافر شرط مؤسسي سابق، يتمثل في تعزيز الالتزام بالقانون، وترسيخ المساءلة بوصفها ممارسة مؤسسية مستمرة، لا استجابة ظرفية.

فالتجارب الدولية التي حققت انتقالات اقتصادية ناجحة أظهرت أن وضوح أطر صنع القرار، وتعزيز النزاهة، ورفع كفاءة المساءلة، تشكل عناصر حاسمة في تحسين أداء الدولة والاقتصاد، إذ إن غياب الانضباط المؤسسي لا يؤثر في كفاءة الإنفاق فحسب، بل ينعكس أيضا على جودة القرار، وأداء المؤسسات، ومستوى الثقة بين الدولة والمجتمع.

في الدول التي نجحت، لم تكن المساءلة إجراء استثنائيا، بل ممارسة مؤسسية دائمة. ولم تربط المسؤولية بالمكانة أو النوايا، بل بالأداء القابل للتقييم والنتائج المتحققة، فالمنصب العام عد تكليفا يخضع للمراجعة، والشفافية شكلت كأداة عملية لدعم الحوكمة الرشيدة واستدامتها.

التنظيم قبل التحول: دروس التجارب الدولية

تظهر التجارب الدولية أن الاقتصادات التي نجحت في الانتقال من الاعتماد على الموارد أو الإنفاق إلى الإنتاج لم تعتمد على تحولات مفاجئة أو تدخلات غير متدرجة، بل على تنظيم تدريجي لمسارات القرار والسياسات، مع وضوح في الأدوار، واستقرار في التوجهات.

وقد تميزت هذه التجارب بحصر دور الدولة في التخطيط والتنظيم، وترك التنفيذ والمخاطر التشغيلية للقطاع الخاص، والتركيز على قطاعات ذات جدوى تنافسية حقيقية، واعتماد التصدير وسلاسل القيمة معيارا للأداء، وربط التعليم والبحث العلمي بحاجات السوق الفعلية.

فالتحول الاقتصادي، وفق هذه التجارب، لا يبدأ بالمشروعات، بل بانضباط القرار، والتدرج القابل للمتابعة والقياس.

من منطق الإنفاق إلى منطق الأثر الاقتصادي

أحد التحولات الجوهرية في إدارة القرار الاقتصادي عالميا هو الانتقال من سؤال «كم ننفق؟» إلى سؤال «ماذا نحقق؟». ويعني ذلك تقييم السياسات والمشروعات بناء على أثرها في الإنتاجية، والتوظيف، والدخل، والاستدامة المالية، وقدرتها على تقليص الالتزامات المستقبلية، مع إدخال تحليل الأثر الاقتصادي كجزء أصيل من إجراءات اعتماد المشاريع وصنع القرار.

تنظيم المصروفات والفصل بين التشغيلي والاستثماري

تشكل المصروفات التشغيلية الجزء الأكبر من الميزانية العامة، وغالبا ما تنمو تلقائيا مع توسع الخدمات وتراكم الالتزامات. والهدف هنا ليس خفض الإنفاق، بل تنظيم نموه وربطه بالأداء الفعلي، مع الحفاظ على جودة الخدمات العامة واستدامتها.

كما أن الفصل الواضح بين الإنفاق التشغيلي والاستثماري يعد شرطا لاتخاذ قرارات متوازنة، بحيث ينظر إلى الاستثمار العام كأداة استراتيجية تقاس جدواها بقدرتها على تقليل أعباء مستقبلية، أو توليد دخل مباشر أو غير مباشر، أو تحسين كفاءة استخدام رأس المال العام.

الإنسان المنتج: التنمية البشرية والانتماء الوطني

لا يمكن لأي تحول اقتصادي أن ينجح إذا اقتصر على التمويل أو الهياكل المؤسسية فقط. فجوهر التحول الحقيقي يكمن في إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والاقتصاد والدولة.

لقد أسهم النموذج الريعي في ترسيخ أنماط تعتمد على الاستقرار الوظيفي أكثر من الإنجاز الإنتاجي. ومن هنا، تفهم التنمية البشرية كمنظومة اقتصادية متكاملة تربط التعليم بحاجات السوق الفعلية، وتعيد تعريف النجاح الوظيفي خارج إطار التوظيف الحكومي، وتحول المواطن من متلق للإنفاق إلى شريك في إنتاج القيمة، فالانتماء الوطني في اقتصاد الإنتاج يقاس بالمشاركة لا بالاعتماد.

من تنظيم القرار إلى تفعيل التمويل المنتج

بعد تنظيم القرار الاقتصادي وإدارة الإنفاق، يبرز سؤال جوهري: كيف يعاد توظيف رأس المال الوطني ليقود هذا التنظيم إلى إنتاج فعلي؟ إذ تتركز السيولة المصرفية تاريخيا في أدوات منخفضة المخاطر واستثمارات خارجية، ما حافظ على الاستقرار المالي، لكنه لم يسهم بالقدر الكافي في بناء قاعدة إنتاجية محلية.

ويعني التمويل المنتج تمويل سلاسل القيمة، وربط التمويل بمؤشرات إنتاج وتشغيل وتصدير، والمشاركة المدروسة في المخاطر ضمن أطر حوكمة واضحة.

البنوك والصندوق والتحالف الصناعي

وفي هذا السياق، يعاد تعريف دور البنوك بوصفها شريكا تنفيذيا منضبطا، لا أداة سياسة. كما يبرز إنشاء صندوق وطني للتحول الصناعي كمنصة تنظيم وتنسيق، لا كجهة تشغيل مباشر، لدعم إحلال الواردات وتراكم الخبرة الصناعية.

ويقوم التحول الصناعي على تحالف متوازن بين الدولة كمنظم، والبنوك كممول، والقطاع الصناعي كمشغل ومبتكر، وشركاء دوليين لنقل المعرفة والتقنية.

الجزيرة الصناعية: من الرؤية إلى الواقع

تمثل الجزيرة الصناعية المتخصصة نموذجا تطبيقيا تتقاطع فيه هذه العناصر، كنظام اقتصادي متكامل يوجه التمويل نحو سلاسل قيمة مكتملة، ويربط التوظيف بالإنتاج، ويعالج تحديات الإنفاق والإنتاجية والتوظيف ضمن إطار واحد منضبط.

ما تحتاجه الكويت اليوم ليس حلولا جاهزة ولا زيادات إنفاقية متفرقة، بل منظومة قرار منضبطة تدار بالقانون، وتقاس بالنتائج، وتوجه التمويل نحو الإنتاج، وتبني صناعة قادرة على المنافسة، وتستثمر في إنسان يرى في العمل والمساهمة الاقتصادية أساسا لانتمائه الوطني.

فالانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج والمعرفة لا يتحقق دفعة واحدة، لكنه يصبح ممكنا حين تتكامل الرؤية الوطنية مع القدرة التنفيذية، ويدار التحول بوصفه مسار دولة طويل الأجل، لا برنامجا مؤقتا أو استجابة آنية للضغوط.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق