نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيمياء التواصل.. والعبوات المفخخة, اليوم الأحد 5 يوليو 2026 08:13 صباحاً
في علوم السلامة تعد الملصقات المعيارية لغة عالمية للتعريف بالمواد الخطرة، ووسيلة أساسية تمكن العاملين في النقل والمناولة والتخزين وكذلك فرق الطوارئ من معرفة هوية المادة وطبيعتها وكيفية التعامل معها بأمان. وتخضع هذه الملصقات لقوانين دولية صارمة تمنع التعامل مع أي مادة خطرة ما لم تكن معرفة بوضوح، حفاظا على سلامة الجميع، فالألوان والأرقام والرموز الظاهرة عليها ليست مجرد زخارف، بل مفاتيح لمعرفة ماهية المادة وتوضيح للخطر ودرجته قبل التعامل معها.
في إحدى الجامعات الأمريكية طرح أستاذ السلامة سؤالا عميقا ضمن اختبار دوري: عرضت عدة عبوات لمواد خطرة عليها ملصقات تعريفية إلا واحدة، وكان السؤال ببساطة ما هي المادة الأشد خطورة ولماذا؟
تنوعت إجابات الطلاب، ليفاجئهم الأستاذ بالجواب: الأشد خطورة هي العبوة التي بلا ملصق، فالمادة المجهولة لا نعلم أهي حارقة أم سامة أم سريعة الاشتعال أم شديدة الانفجار، إنها خطر صامت نعجز عن مواجهته والتعامل معه ما لم نعرف هويته. وهكذا فكل مجهول الهوية يظل لغزا مقلقا وربما خطرا محدقا، وما لم تكشف هويته وتعرف طبيعته، فإن أي مواجهة معه ستكون معركة خاسرة لا ينفع فيها هجوم ولا دفاع.
وللأسف الشديد يتعامل الناس اليوم مع (عبوات رقمية) غامضة الهوية مجهولة المصدر بتهور شديد، فالرسائل التي تهطل علينا من الفضاء الرقمي فتغمر المنصات وتفيض بها الأجهزة ليست إلا كمواد كيمائية مجهولة المصدر غامضة الهوية شديدة الخطورة، فمنها الحارق الكاوي ومنها السام القاتل ومنها سريع الاشتعال وشديد الانفجار.
والأدهى أن بعضها يأتي مرتديا حلة الإصلاح على جسد فاسد، يلقي بها أحدهم في مجموعة أو في منصة أو إليك مباشرة، وربما تكون محظوظا فتأتيك من أكثر من مرسل، وهذا الانهمار لرسالة بعينها في نظر البعض مبرر للموثوقية وداع للمصداقية، وهكذا تنتشر آلاف الرسائل المجهولة في الفضاء الرقمي ويتلقاها الناس ويتداولونها كما يتنفسون الهواء دون تحقق ولا تمحيص.
وأبى الذكاء الاصطناعي - وهو سلاح ذو حدين - إلا أن يدلي بدلوه ويلعب دوره السلبي، حيث يلبي كل ما يطلب منه من مقاطع مرئية أو مسموعة مفبركة أو مجتزأة، وتأليف لحكايات، وتقمص لأدوار وتزوير لقصاصات، وروابط مفخخة بلا رقيب ولا ضابط، بعيدا عن الأخلاقيات والرقابة في ظل عجز القوانين وضبابية التشريعات.
إشاعات تنشر وفتن تؤجج وأكاذيب تروج ومفاهيم تشوه وحقائق تكذب كل هذا وغيره يرسل ويتداول بحسن نية أو بسوئها، بحثا عن المشاهدات والتفاعلات وتحقيق الدخل، ولبث الفتنة وإثارة النعرات، والتشكيك في الثوابت وهدم القيم، وللنصب والاحتيال.
وكما بدأنا بالسلامة، نختم بقاعدة من قواعدها تقول: خطط للأسوأ، ولذا يجب التعامل مع أي رسالة مجهولة خصوصا ما يحتوي المقاطع والصور والروابط بحذر شديد كمادة كيميائية خطرة، فلنتخذ كمامات من الوعي وأقنعة من الحذر وقفازات من التروي ونظارات من التمحيص وسترة من الحيطة، فخط الدفاع الأول هو الوعي الفردي فالعائلي ثم المجتمعي، ولتكن القاعدة الآمنة: كل مجهول خطر إلى أن يثبت العكس. وإن وصلك شيء من ذلك فلتكن نهايته على يديك.

















0 تعليق