نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تصميم التكنولوجيا بما يضع الإنسان في المقام الأول, اليوم الاثنين 29 يونيو 2026 01:59 مساءً
في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في منطقة الخليج، تستثمر الحكومات والشركات مليارات الدولارات في البنية التحتية الرقمية. فمن نشر شبكات الجيل الخامس (5G)، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، إلى المدن الذكية ومنظومات الإعلام الغامر، يشهد العالم اليوم مستوى غير مسبوق من الطموح الرقمي.
في دولة الإمارات العربية المتحدة، تهدف مبادرات مثل الحكومة الرقمية الإماراتية إلى رقمنة الخدمات الحكومية وترسيخ مكانة الدولة كمركز عالمي للتحول الرقمي. وفي المملكة العربية السعودية، وضعت رؤية السعودية 2030 التحول الرقمي في صميم استراتيجية التنويع الاقتصادي، مدعومةً ببرنامج التحول الوطني. وفي الوقت ذاته، تعد مشاريع المدن الذكية مثل نيوم نموذجًا جديدًا للحياة الحضرية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وعلى نطاق لم يشهده العالم من قبل.
لكن البنية التحتية وحدها لا تصنع الأثر.
في سوني، التي تعمل عند نقطة التقاء التكنولوجيا والترفيه والألعاب والإبداع، لمسنا عن قرب أن الابتكار لا ينجح لمجرد كونه متقدمًا تقنيًا، بل لأنه متاح للجميع، وسهل الاستخدام، وبديهي في التعامل معه. سواء كان ذلك عبر تمكين صانع أفلام من سرد قصة، أو مساعدة لاعب على التواصل مع مجتمع عالمي، أو منح عشاق الرياضة طرقًا جديدة للاستمتاع بالأحداث المباشرة، فإن التكنولوجيا لا تخلق قيمة حقيقية إلا عندما يتمكن الناس من التفاعل معها بصورة ذات معنى.
الوصول لا يعني التبني
تتصدر دول الخليج عالميًا من حيث مستويات الاتصال الرقمي. فوفقًا لأحدث البيانات، يتجاوز معدل انتشار الإنترنت في دولة الإمارات 99%، بينما يتخطى في المملكة العربية السعودية 97%.
لكن توفر الاتصال لا يعني بالضرورة تبني التكنولوجيا.
فامتلاك اتصال واسع النطاق أو أجهزة حديثة لا يترجم تلقائيًا إلى مشاركة رقمية فعّالة. إذ تحدد الثقافة الرقمية، والقدرة على تحمل التكاليف، وبساطة التصميم، ما إذا كانت البنية التحتية ستتحول إلى فرصة حقيقية أم لا.
وفي الأسواق سريعة النمو مثل السعودية والإمارات، يتمتع الشباب بميزة كونهم أبناء العصر الرقمي. وتشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء في السعودية إلى أن أكثر من 70% من السكان تقل أعمارهم عن 35 عامًا، وهي ميزة ديموغرافية تعزز معدلات التفاعل مع الألعاب الإلكترونية، ومنصات البث، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتجارب الرياضة الغامرة، حيث يتابع المشجعون المحتوى عبر شاشات ومنصات متعددة في الوقت نفسه.
من الاتصال إلى الإبداع
تصبح البنية التحتية ذات قيمة حقيقية عندما تمكّن الأفراد من الإبداع.
فالمنصات الرقمية للبث، ومنظومات الألعاب، وأدوات إنتاج الموسيقى، وتقنيات السرد الرقمي، لا تكتفي بجعل المستخدم مستهلكًا للمحتوى، بل تحوله إلى صانع له.
ويشهد الاقتصاد الإبداعي في الخليج نموًا متسارعًا. ففي المملكة العربية السعودية، تستثمر كل من الهيئة العامة للترفيه وهيئة الأفلام بشكل كبير في إنتاج المحتوى المحلي، بينما تواصل مدينة دبي للإعلام ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لصناعة المحتوى.
كما تجسد الألعاب الإلكترونية والرياضة هذا التحول من مجرد الاتصال إلى الإبداع. ففي قطاع الألعاب، تطورت المنظومات المتصلة لتصبح منصات لصناعة المحتوى، والمنافسات، والبث المباشر، وريادة الأعمال، وليس فقط للعب. أما في قطاع الرياضة، فإن التطورات في تقنيات التصوير والبث والإنتاج السحابي وتجارب المشجعين الغامرة تعيد تشكيل الطريقة التي يتفاعل بها الجمهور مع الفعاليات الرياضية المباشرة، وتقربهم من الحدث أكثر من أي وقت مضى.
ويُعد ازدهار الرياضات الإلكترونية مثالًا واضحًا على ذلك. فمع استمرار المملكة في الاستثمار في مبادرات مثل كأس العالم للرياضات الإلكترونية، أصبحت الألعاب الإلكترونية محركًا لمشاركة رقمية أوسع. فما بدأ باستثمارات في البنية التحتية للاتصال والألعاب، أصبح اليوم يدعم اللاعبين المحترفين، وصناع المحتوى، والمذيعين، ومنظمي الفعاليات، والمطورين، ورواد الأعمال عبر مختلف حلقات سلسلة القيمة، بما يبرهن على قدرة المنظومات الرقمية على تحويل الوصول إلى التكنولوجيا إلى فرص اقتصادية حقيقية.
تصميم التكنولوجيا بمنظور إنساني
لم يعد الأفراد مجرد متلقين للأنظمة الرقمية، بل أصبحوا مساهمين فاعلين في الاقتصاد الرقمي. فتقنيات التصوير تمكّن صناع الأفلام من رواية قصص المنطقة للعالم، ومنصات الألعاب تدعم المطورين المحليين، بينما تتيح تقنيات الصوت الغامر للموسيقيين الوصول إلى جماهير عالمية. وعندما تكون البنية التحتية سهلة الاستخدام، فإنها تتحول إلى رأس مال إبداعي.
وتكتسب فلسفة التصميم الشامل أهمية خاصة في المجتمعات الخليجية متعددة الأجيال، حيث يتشارك الأجداد والآباء والأبناء البيئة الرقمية نفسها. وينطبق المبدأ ذاته على تجارب الرياضة والترفيه؛ إذ ينبغي أن تتيح التكنولوجيا للمشاهد العادي، والمشجع المتحمس، وصانع المحتوى، والرياضي، التفاعل بسلاسة، بغض النظر عن العمر أو اللغة أو مستوى الخبرة التقنية.
إن سهولة الاستخدام هي التي تحدد ما إذا كانت التكنولوجيا ستصبح تجربة ثقافية مشتركة تجمع الجميع، أم تجربة فردية تقتصر على فئة محدودة.
وتدرك الحكومات هذه الحقيقة. ففي دولة الإمارات، يهدف البرنامج الوطني للمبرمجين إلى تأهيل 100 ألف مبرمج يمتلكون مهارات رقمية متقدمة، بينما تستثمر الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) في تعليم الذكاء الاصطناعي وتأهيل الكفاءات الوطنية للمستقبل.
ومع ذلك، يجب ألا تقتصر استراتيجية البنية التحتية على تعليم البرمجة فقط، بل ينبغي أن تضمن قدرة الأشخاص من مختلف الأعمار والقدرات على المشاركة الفاعلة في الاقتصاد الرقمي.
مخاطر بناء بنية تحتية دون شمولية
من دون استثمارات موازية في المهارات الرقمية والتعليم، قد تؤدي التطورات في الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتقنيات الغامرة إلى توسيع فجوات المشاركة، بدلًا من خلق فرص جديدة للجميع.
وهنا يبرز الدور المحوري للشركات.
فبينما تتولى الحكومات بناء البنية التحتية، تقع على عاتق الشركات مسؤولية ضمان سهولة الاستخدام، وتوفير منظومات داعمة للمستخدمين. وتسهم ورش العمل المخصصة لصناع المحتوى، واستوديوهات الإنتاج الافتراضي، والشراكات التعليمية، في سد الفجوة بين إتاحة التكنولوجيا والقدرة على الاستفادة منها.
وعندما تستثمر الشركات في تثقيف المستخدمين من خلال التدريب العملي، والفعاليات المجتمعية، وحاضنات الإبداع، تتحول البنية التحتية من مجرد أدوات متاحة إلى منظومة يشارك فيها الجميع بفاعلية.
البنية التحتية كرأس مال ثقافي واقتصادي
عندما يتمكن الناس من استخدام التكنولوجيا بكفاءة، تصبح البنية التحتية محركًا للنمو الاقتصادي.
ويتجلى ذلك بوضوح في قطاعات الألعاب الإلكترونية، والرياضات الإلكترونية، وإنتاج المحتوى الرياضي، والترفيه الرقمي، حيث تظهر باستمرار مسارات مهنية جديدة للمطورين، وصناع المحتوى، والمعلقين، وخبراء الإنتاج، ورواد الأعمال في الصناعات الإبداعية.
وتشير وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة العربية السعودية إلى أن الاقتصاد الرقمي يسهم بأكثر من 14% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما جعلت وزارة الاقتصاد الإماراتية الاقتصاد الرقمي أحد الركائز الأساسية لاستراتيجيتها طويلة المدى في تنويع الاقتصاد.
لكن نجاح هذه الاستراتيجيات لا يعتمد فقط على شبكات الألياف الضوئية أو مراكز الحوسبة السحابية، بل يعتمد في المقام الأول على وجود مجتمع يمتلك المهارات والثقة لاستخدام هذه التقنيات. فالتكنولوجيا ليست سوى أداة تضاعف الإمكانات البشرية.
المستقبل هو سهولة الاستخدام
لن تُقاس المرحلة المقبلة من التحول الرقمي بسرعة الشبكات أو قدرات الذكاء الاصطناعي وحدها، بل ستُقاس بمعدلات المشاركة، وحجم الإنتاج الإبداعي، ومدى تمكين المستخدمين.
فالمدن الذكية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، ومنظومات الألعاب، وتقنيات الرياضة، ومنصات الإعلام الغامر، يجب أن تُبنى على أسس من سهولة الوصول، والارتباط الحقيقي باحتياجات الإنسان.
إن أكثر المنظومات الرقمية نجاحًا لن تكون تلك التي تكتفي بربط الناس بالتكنولوجيا، بل تلك التي تساعدهم على الإبداع، والتنافس، وسرد القصص، ومشاركة التجارب، والمساهمة بصورة أوسع في الاقتصاد الرقمي.
وعندما تُصمم التكنولوجيا لتكون سهلة الاستخدام، وشاملة، وتمكينية، فإنها تتحول من مجرد شبكة من الأنظمة إلى منصة تفتح آفاقًا جديدة للإمكانات والفرص.













0 تعليق