نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الفوضى الناعمة في الاستشارات الأسرية, اليوم الأحد 17 مايو 2026 11:45 مساءً
في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للأسرة لكونها نواة الاستقرار الاجتماعي، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا للتوقف أمام تحولات مقلقة أخذت تتسلل إلى البيوت بهدوء، تحت عناوين تبدو في ظاهرها إصلاحية وتوعوية، بينما تنتج في بعض صورها ارتباكا عاطفيا، وتشويشا اجتماعيا، وتدخلا غير منضبط في أكثر المساحات الإنسانية حساسية، لقد أصبحت الأسرة اليوم هدفا يوميا لمنصات البث المباشر، والمقاطع القصيرة، والحوارات الجماهيرية المفتوحة، حتى بدا وكأن بعض العلاقات الزوجية تدار أمام الجمهور أكثر مما تدار داخل البيت نفسه.
المشكلة لا تكمن في وجود التوعية الأسرية؛ فالمجتمع يحتاج إلى المختصين الحقيقيين، وإلى الأصوات المهنية الرصينة التي تسهم في الإصلاح وتقريب وجهات النظر وحماية الكيان الأسري، غير أن ما يثير القلق هو تحول هذا المجال إلى مساحة مفتوحة لكل من امتلك حسابا جماهيريا أو حضورا إعلاميا، حتى بات بعض الأشخاص يقدمون أنفسهم بوصفهم (مستشارين أسريين) عبر بثوث يومية مباشرة، يناقشون أدق القضايا الزوجية بلغة انفعالية، ويقدمون أحكاما وتوجيهات مصيرية أمام آلاف المتابعين، دون إدراك كاف للفروق الفردية، أو تعقيدات الحياة الأسرية، أو الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على الكلمة العابرة.
ومع اتساع هذا المشهد، لم يعد التأثير مقتصرا على غير المختصين؛ إذ دخل بعض الممارسين القانونيين إلى هذا الفضاء بدافع الانتشار الإعلامي أو التسويق المهني، فتحولت بعض البثوث القانونية من التعريف بالحقوق والأنظمة إلى التدخل المباشر في النزاعات الأسرية، بل وإلى بناء تصورات انفعالية تدفع أحد الأطراف إلى التصعيد أو الشك أو القطيعة، صحيح أن نشر الثقافة القانونية مطلب مهم، وأن معرفة الحقوق تعزز الوعي، إلا أن الخط الفاصل بين التوعية والتأثير العاطفي المباشر خط بالغ الحساسية، خصوصا حين تطرح القضايا الأسرية بأسلوب جماهيري مفتوح يغري بالتأويل والتجييش وإصدار الأحكام قبل اكتمال الصورة.
الأخطر من ذلك أن بعض الطروحات الحديثة تعيد تشكيل العلاقة الزوجية بوصفها ساحة صراع دائم، وتقدم الخلافات الطبيعية باعتبارها مؤشرات قاطعة على السمية أو الاستغلال أو انعدام التقدير، حتى أصبح بعض الأزواج والزوجات يعيشون حالة مراقبة مستمرة لعلاقاتهم، وكأنهم يقيسون مشاعرهم اليومية على ما يسمعونه في المقاطع والبثوث، لا على واقعهم الحقيقي. وهنا تتحول المنصة الرقمية إلى طرف خفي داخل الأسرة، يوجه الانفعالات، ويضخم الهواجس، ويعيد تعريف الصبر والتفاهم والتنازل بلغة حادة لا تحتمل تعقيد الحياة البشرية.
ولأن الأسرة ليست ساحة تجريب، فإن القضية لم تعد مرتبطة بحرية الطرح وحدها، بل بحدود المسؤولية أيضا، فليس كل ما يقال قانونيا يصلح أن يقال إعلاميا، وليس كل ما يحقق الانتشار يحقق المصلحة، فهناك فرق كبير بين بناء الوعي، وبين صناعة الإثارة عبر القصص الأسرية، أو تحويل الخلافات الزوجية إلى مادة جماهيرية ترفع نسب المشاهدة والتفاعل. إن بعض المحتويات، وإن لم تصرح بالدعوة إلى التفكيك، قد تسهم عمليا في التخبيب بصورة غير مباشرة، من خلال التحريض الناعم، أو تضخيم الأخطاء، أو دفع أحد الأطراف إلى القطيعة دون محاولة حقيقية للإصلاح والمعالجة المتزنة.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى دور أكثر حضورا من الجهات التنظيمية ذات العلاقة، وفي مقدمتها وزارة العدل، بالتكامل مع الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، لضبط هذا المجال الذي يمس الأمن الأسري والاجتماعي بصورة مباشرة، فالمسألة لا تتعلق بتقييد الآراء أو منع التوعية، وإنما بحماية المجتمع من الفوضى المهنية، ومنع تداخل الاختصاصات، ووضع حدود واضحة بين التثقيف المسؤول، وبين الممارسات الإعلامية التي قد تتجاوز دورها إلى التأثير الضار في القرارات الأسرية والعلاقات الإنسانية.
كما أن من الضروري إعادة الاعتبار لفكرة (المسؤولية الأخلاقية) في الخطاب الإعلامي الأسري؛ إذ لا يكفي أن يكون المحتوى قانونيا أو قابلا للنشر حتى يكون نافعا للمجتمع، فبعض القضايا، بحكم حساسيتها وتعقيدها، ينبغي أن تناقش ضمن أطر مهنية هادئة تحفظ الخصوصية وتراعي المآلات، لأن درء المفاسد الاجتماعية والنفسية يظل أولى من تحقيق الانتشار أو جلب المكاسب التسويقية.
إن الأسرة السعودية اليوم تواجه تحديات متسارعة؛ اقتصادية وثقافية ورقمية، ولهذا فإن آخر ما تحتاجه هو مزيد من الأصوات التي تتعامل مع هشاشة العلاقات الإنسانية بوصفها فرصة للمشاهدة والتفاعل. فالبيوت لا تبنى بالبثوث المرتجلة، ولا تحمى بالاستعراض، ولا تدار بمنطق الجمهور. وما بين التوعية الصادقة، والفوضى الناعمة، تبقى الأسرة بحاجة إلى عقل مهني مسؤول، يدرك أن الكلمة قد تصلح بيتا... وقد تهدمه أيضا.














0 تعليق