الرقمنة تختبر إنسانيتنا وعسانا أن ننجح

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الرقمنة تختبر إنسانيتنا وعسانا أن ننجح, اليوم السبت 7 فبراير 2026 09:32 مساءً

لم يكن الإنسان يوما محاطا بهذا الكم من الأرقام والبيانات كما هو اليوم؛ فما عاد يعيش الإنسان في قريته أو مدينته، بل في فضاء رقمي يلاحقه في كل خطوة، وما عاد يقيس قدرته بما يملك من أدوات، بل بما يملكه من قدرة على التفاعل مع عوالم افتراضية صارت أكثر حضورا من الواقع نفسه.

إن «الرقمنة»، وأقصد تحول كل ما يخصنا من معاملات وعلاقات ومعلومات إلى صيغ رقمية، تدار بالحواسيب والتطبيقات والخوارزميات؛ ليست ترفا تقنيا ولا موضة عابرة، بل هي مرحلة تستوجب إعادة صياغة علاقة الإنسان مع أسرته، وعمله، ومجتمعه، بل ومع ذاته الداخلية، ومن يظن أنها مجرد تطبيقات على هاتفه لم يلتفت بعد إلى عمق التحول من حوله، وكيف أصبحت القرارات الفردية مرهونة بخوارزميات، وصار الوعي الجمعي يتشكل بناء على تأثير أنظمة لا يراها أحد.

من أعظم ما فعلته الرقمنة بنا، أنها أخفت خصومنا عنا، فبعد أن كنا نعرف من ننازع، صار خصمنا اليوم خوارزميات مجهولة، وعقلا اصطناعيا يتخذ القرار بالنيابة عننا، وصار الواحد منا محتاجا أكثر من ذي قبل إلى يقظة جديدة، تحرس إنسانيته من الذوبان في بحور التقنية، وبات الخطر اليوم ليس في ضياع الوظائف أو تبدل أنماط الاقتصاد، فهذا مما اعتاده التاريخ مع كل نقلة صناعية؛ بل في الخوف من أن يفقد الإنسان تعريفه لذاته، وأن يذوب في عالم افتراضي لا يعرف حدوده، وأن تتآكل القيم التي كانت تضبط علاقاته.

لا أقول إن «الرقمنة» شر محض، ولا أقول إنها خير مطلق، فهي أداة بيد من يحسن توظيفها، ومن الخطأ أن نقف منها موقف التقديس أو الرفض، وعلينا أن نزنها بميزان العدالة؛ وهنا يظهر دور الفكر والتربية والقانون معا في استكشاف آفاق المستقبل، والتحذير من انحرافاته، وفي غرس القدرة على التمييز بين الوسيلة والغاية، وفي وضع الضوابط التي تردع الاستغلال وتمنع الاحتكار، وفي التأكيد على أن معادلات الحياة لا تكتمل بالآلة وحدها، وإنما بالإنسان الذي يوجهها، وبالقيمة التي تحكمها، وليس المطلوب أن نرفع شعارات براقة عن «التحول الرقمي» فحسب، بل أن نجيب عن من يملك الحق في صياغة القيم التي توجه التقنية؟ ومن يضمن أن تكون خادمة للإنسان لا سيدة عليه؟ وكيف نعيد توزيع ثمارها بعدالة، فلا يستأثر بها القليل على حساب الكثير؟ وغير ذلك من أسئلة تمس جوهر وجودنا، في زمن تتداخل فيه الحدود بين الحقيقة والافتراض.

المستقبل لن ينتظرنا، وسيأتي يوم نجد فيه أن التعليم والعمل والعلاقات كلها قد صارت مربوطة بأنظمة رقمية يحكمها منطقها الخاص، وإذا لم نحسن تأسيس إطار يحفظ للإنسان مكانته، سنصحو على واقع يصعب تغييره، ولا يمكن حينها أن نعيد الاعتبار إلى الإنسان المغلوب على أمره. وأختم بأن عصر الرقمنة امتحان عسير لإنسانيتنا؛ والبطولة ليست في إنتاج الأجهزة وتشغيل التطبيقات، بل في مدى قدرتنا على صون القيم التي تحفظ كرامة الإنسان، وإذا ما فشلنا في هذا الامتحان، لن يكون الناتج خسارة الإنسان وحده، بل الحضارة بأكملها، ومهما عظمت التقنية، فإنها لا تغني عن الميزان الرباني الذي أمرنا به خالقنا جل جلاله في قوله: [إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون]، وحيثما غابت أوامره ضاعت الكرامة، وحيثما حضرت مناهيه ماتت الحضارة، ولس أمامنا إلا أن نظل أوفياء لهذا الميزان المقدس، وإلا فقدنا مستقبلنا كله.

أخبار ذات صلة

0 تعليق