عندما تكذب الأرقام!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عندما تكذب الأرقام!, اليوم الثلاثاء 3 فبراير 2026 12:43 صباحاً


الأرقام لا تكذب، لطالما ترددت هذه العبارة على مسامعنا، ورددناها بألسنتنا متبوعة أحيانا باستطراد حسابي مفاده أن واحد زائد واحد يساوي اثنين لغرض الاستشهاد البسيط والواضح. والحقيقة أن الأرقام استحقت هذه الشهادة بكل جدارة واقتدار، كيف لا وهي معيار القياس الدقيق لكل ما كان يقاس تقديريا، ومناط الحساب الصحيح لكل ما كان يحسب تقريبيا. فنحن بفضل هذه الأرقام الواضحة، لم نعد نتحرك بالباع ولا بالذراع، ولا نزن بالمد ولا بالصاع، وهذه بحد ذاتها أهمية تستحق الإشادة.

هذه المكانة العالية للغة الأرقام لم تمنعها من الاستزادة في الأهمية وتعزيز دقتها وتحسين مخرجاتها، فجاءت تلك الأرقام بأرقام أخرى لتقوم بتصحيحها حينا، وتنقيحها حينا، وتجويد معانيها وإثباتها في أحيان أخرى! فتجد على سبيل المثال أن وزن الإنسان وهو رقم دقيق، يحتاج إلى رقم آخر وهو مقدار طوله، ليجعل لهذا الرقم سياقا، وإذا ما جاء مع هذين الرقمين أرقام قياس الخصر والحوض أصبح ذلك السياق ذا معنى أدق وأكثر تحديدا.

ولما كانت التجارب العلمية تعتمد على الأرقام كلغة للنتائج، جاءت الأرقام على الموعد لتقيم أهمية نتائج تلك التجارب، ومدى مصداقيتها ومقدار مطابقتها للواقع، وبعدها عن التحيز! فهناك الأرقام الناتجة عن تلك التجارب، ومتوسطها الحسابي، وانحرافها المعياري، ودلالتها الإحصائية، وثقتها ومعامل اختلافها! كل ما سبق هو أرقام صحيحة تصححها أرقام أخرى لتعطي للمخرجات العلمية دقة تستحق الثقة.

ورغم هذه المثالب والمحامد للغة الأرقام ودورها المحوري في جعل حياتنا أسهل، إلا أنها في نهاية المطاف لغة كسائر اللغات وأداة كبقية الأدوات، قد تستخدم استخداما صحيحا، وقد يتم توظيفها بطريقة خاطئة ينتج عنها معلومات مضللة أو غير مكتملة أو كاذبة تماما! ويبرز هذا التوظيف الخاطئ عندما يتم اختزال الظواهر المعقدة في رقم أو مجموعة من الأرقام، وترفع هذه الأرقام إلى مقام الحقيقة المطلقة!

فكم من مؤشر أداء لا يشير إلى ناحية الأداء، بل يطمس تدهوره، وكم من نسبة إنجاز لا تعبر عن أي منجز فعلي على أرض الواقع، وكم من متوسط يقف في منتصف اللاشيء ويخفي تباينا صارخا لكل الأرقام التي يتوسطها! وهنا لا تكذب الأرقام، ولكنها تجبر على الصمت عن جزء من الحقيقة. فالكذب لا يكمن في الرقم ذاته، بل في السياق الذي ينتزع منه، وفي السؤال الذي لم يطرح، وفيما أريد للرقم أن يقوله بدلا مما يقوله فعلا.

إن محاولة تحويل الأرقام من أدوات للفهم إلى أدوات للإقناع، ومن وسائل للقياس إلى وسائل للتبرير تجعل من هذه الأرقام أدوات انتقائية منفصلة عن الواقع. وهنا تكمن أهمية الحوكمة في منظومة الجودة، ليس بوصفها إطارا إجرائيا، بل باعتبارها المحدد لما يراد قياسه والمنظم لمنهجية القياس الصحيحة، وكذلك تبرز أهمية المراجعة المستمرة لما تم قياسه للتحقق من مدى اتصال القياس بالحقيقة وربط الأداء بالأثر، والنتائج بالمسؤولية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق