الجيل «زِد».. تذكروا هذا الاسم جيدًا..

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى يوم ٢٥ مايو الماضى نشرت مجلة فورين بوليسى تقريرًا بعنوان «الجيل زِد.. يسترد القضية الفلسطينية».. وبعنوان فرعى يقول «الشباب الفلسطينى على جانبى الخط الأخضر يمسكون بزمام القضية بعد أن خذلها القادة المزعومون»!.

لأى مراقب منصف لم تكن حرب غزة الأخيرة كسابقاتها.. لم تكن فى تفاصيلها عدواناً إسرائيلياً وحشياً على مدنيى غزة فقط.. أو انتقاماً من حماس على ما قد يبدو أنه انفلات فى الحفاظ على غلالة التهدئة التى يراد للفلسطينيين استجداؤها حتى يتسنى لإسرائيل قتلهم ببطء بدلًا من نحرهم بوحشية كما حدث ويحدث.. ولكنها كانت صفحة جديدة تضع أمانة القضية الفلسطينية فى يد مؤتمنيها الحقيقيين.

«لمدة أحد عشر يومًا وقبل وقف إطلاق النار فى غزة كانت السلطة الفلسطينية غائبة بشكل مفزع عن المشهد.. مكتفية ببيانات جوفاء من الشجب والإدانة».. «ولكن وعلى الأرض، كانت قيادات المجتمع المدنى الفلسطينى، وتحديدا الشباب الفلسطينى، يمسكون بدفة الأمور ليملأوا ذلك الفراغ المهين لقيادتهم التائهة».. «وليعلن هؤلاء الشباب إضرابًا عامًا على جانبى الخط الأخضر وليمحوا بذلك الفصل المتوهم بين فلسطينيى الداخل وفلسطينيى غزة والضفة»، كما نصت كلمات التقرير..

من فعلوا هذا.. هم تلك الفئة العمرية الأقل من ٢٠ سنة أو بالكاد قد تجاوزوها.. هم ذلك الجيل المدعو الجيل «زد».. والمولود بين عامى ١٩٩٩ و٢٠١٤.. والذى يحمل أسماءً كثيرة، أهمها وأعمقها دلالة فى ظنى هى «المواطن الرقمى»..!

قد يراه البعض جيلًا خاملًا متسكعًا بين صفحات التواصل الاجتماعى.. ولكن دراسة سلوكهم الجمعى تثبت أنهم الأكثر حماسًا ودأبًا من سابقيهم.. وأنهم الجيل الذى يحركه التحدى والشغف فى اختيار ما يقوم به من أعمال.. عند التحدى - وعلى عكس الصورة النمطية التى نريدها له - يعمل ساعات أطول وفى ظروف أقسى..!.

.. جيل لا يقبل الإرشاد والتوجيه ولا يستجيب لهم ولكنه فى المقابل حريص على الترشيد والتفاعل وقبول النصح.. يستعديه التلقين ويتمترس فى مواجهته.. جيل وإن يتطلع إلى القيادة والقدوة يبقى عَصِّيًا على السلطوية محتقرًا لها.

كما ثبت أيضًا، أنهم الأكثر إقدامًا وقدرة من سابقيهم، فبرغم كل ما يكال لهم من اتهامات بأنه الجيل القابع وراء شاشات الكمبيوتر المناضل بالهواتف الذكية.. فإن هذا الجيل أكثر إقدامًا فى التجمع حول أولوياته.. ما يلبث أن يتجاوز بها خطوات الصخب الإلكترونى إلى اصطفاف حقيقى حولها فى واقع رفض أو مناهضة أو دعم على الأرض.

وكذلك هم الأكثر توحدًا وتناغمًا تجاه قضاياهم الاجتماعية والسياسية.. ومرد ذلك أنهم ينتمون وجدانيًا - بعلم أو بغير علم - إلى عصر ما بعد الأيديولوجيا.. ولذلك وعلى عكس التصورات النمطية التى تضعهم فى خانة الميل للطرفية، هم الأميل للوسطية بطبيعتهم.. يرون فى التحزب التقليدى بأيديولوجيا زاعقة أمرًا فارغًا من القيمة والجدوى.

هم أقل سذاجة وأكثر فطنة من السابقين عنهم بثلاثين سنة، وهما جيل الألفية وجيل «إكس».. فحين يأتى الأمر إلى كذبات السياسيين التى يراد تمريرها.. فهم الأكثر مناعة.

الجيل «زد» جيل مُسَيَّس بامتياز.. ومن لايزال متشككًا فلينظر أين شباب هذا الجيل من الفلسطينيين من قضيتهم.. وأما كل من يظن أن انصرافهم عن السياسة نوع من الفراغ العقلى والانعزال عن الجدية ودائرة التأثير فى القرار.. فعليه أن يراجع نفسه.

فحقيقة مقاطعتهم للنمط التقليدى للممارسة السياسية هى ممارسة فاعلة للسياسة فى جوهرها.. ممارسة ستبنى مؤسسة سياسة وحكم جديدة، هم من يضعون ضوابطها ويحددون أهلية سياسييها ومؤثريها..!.

أما فى شأن التعلم والمعرفة.. فالجيل «زِد» سيكون الأكثر إلمامًا بالمعارف لانفتاحه بلا سقف على مصادر المعلومة والبيانات والقدرة الهائلة على المقارنة وإحراز المعرفة بالتفاعل المباشر مع مصادر متكاملة أحيانا ومتضاربة أحيانًا..!.

وهم من سيعيد تعريف مسلمات التعليم والتأهل للوظائف بل وملامح سوق العمل ذاتها.. ٧٥٪ من هذا الجيل يرون أن التعليم الجامعى ليس السبيل الأمثل للتأهل لسوق العمل.. فوسائل التعلم ومداخل النجاح لديهم يعاد تعريفها كل يوم.

وأما فى شأن الاقتصاد فهو جيل لا يرى نفسه يقف على أعتاب شركات عامة أو خاصة ليلتحق بها ويترقى سلمها الوظيفى.. فأكثر من ٤١٪ منهم قرر أنه سيبدأ عمله الخاص فى مجال سيقرره أو قرره بالفعل.. وهم جادون غير حالمين فى ذلك.. فبالفعل ٤٦٪ منهم ممن يتراوح عمره بين ٧ سنوات و٢٢ سنة بالفعل متفاعل اقتصاديًا على نحو ما.

المراهق «يوما سوريانتو» والذى لم يتجاوز عمره ١٢ سنة فقط قد صمم وباع عشرة تطبيقات موجودة على متجر أبل الرقمى ويدير قناة خاصة على اليوتيوب يعلم عليها عشرة آلاف من متابعيه كيف يصمم تطبيقًا رقميًا للهاتف الذكى.

ونجم اليوتيوب الأعلى ربحية من قناته الخاصة والذى يحقق ربحًا سنويًا قدره ٢٢ مليون دولار هو الطفل «رايان كاجى»، والذى لم يتجاوز عمره السبع سنوات، وقناته هى قناة لتفنيد وتقييم ونقد ألعاب الأطفال واسمها «قناة رايان لتقييم الألعاب».. وبالمناسبة ليس ثمة أى خطًا مطبعى فى أن الطفل ذا السنين السبع يحقق دخلا سنويًا ٢٢ مليون دولار من عمله المباشر..!

أخيرًا قد يظن البعض أننا نبالغ فى توصيف تفرد الجيل «زد» ونخصه بمزية من الصفات هى بالضرورة صفات كل جيل شاب فى زمن شبابه من تمردٍ وتحدٍ وإصرار على ما يراه تغييرًا.. ولكن وإن كانت خصال المراهقة لا تخطئ هذا الجيل، ووصف «أن الشباب شعبة من الجنون» مازال يستقيم فى حقه.. إلا أنه جيل أتى ونحن على أعتاب عالم جديد يعاد فيه تعريف المؤسسات الإنسانية كلها فلسفة ودورًا وتأسيسًا.. أتى والإنسانية تنقد وتنقض مؤسسات تعليمها وإعلامها.. اقتصادها وسياستها وأمنها.. تعيد تعريف معنى التعلم ووظيفة السياسة وطبيعة الاقتصاد ودور الدولة وحقيقة الأمن ووسائط الحرب والردع..!

هو فقط جيل جاء على موعدٍ مع القدر ليضع ملامح جديدة للإنسانية.. لهذا هو أقدر من سابقيه..

بالمناسبة أعجبنا أو لم يعجبنا.. باركنا أفكاره وأفعاله أم لم نباركها.. هو جيل ماضِ فى طريقه نحو مبتغاه.

فَكِّروُا تَصِحُّوا..

أخبار ذات صلة

0 تعليق