كامل التلمسانى العبقرى المصرى متعدد المواهب

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ترجع أصول عائلة التلمسانى إلى مدينة تلمسان فى غرب الجزائر، وهى مدينة رائعة الجمال، والطبيعة فيها بديعة، وكان لى الحظ أن زرتها منذ أربع سنوات. وُلد كامل عام 1915 لعائلة ميسورة فى قرية من محافظة القليوبية، ولكن والده عبدالرحمن كان مبذرًا، ففقد مدخرات العائلة التى اضطرت للهجرة إلى القاهرة وعاشت فى المدينة الكبيرة فى فقر شديد. ودخل المدرسة السعيدية عام 1930 حيث قابل مدرس الرسم يوسف العفيف القادم من بعثة فى إنجلترا، فتبنى شبابًا واعدًا فى الفن، منهم كامل التلمسانى وراتب صديق وفؤاد كامل وسعد الخادم، وأصبحوا كلهم نجومًا بعد ذلك. فى هذا العام حدث انقلاب دستورى فى مصر، وقام إسماعيل صدقى باشا بالتفاهم مع الملك فؤاد فتم إلغاء دستور 1923 وكتب دستورًا جديدًا وقام بحل البرلمان.

واكب هذا الحكم الديكتاتورى ظهور الفاشية فى إيطاليا والإخوان المسلمين ومصر الفتاة فى مصر، وتكونت جماعة الخيال الأدبية الفنية اليسارية. وفى عام 1935 حدثت انتفاضة شعبية وعاد دستور 1923 وعاد الوفد إلى الحكم، ودخل التلمسانى كلية الطب البيطرى وتركها بعد عام ليعمل بالفن، ويشارك فى الرسم للمجلات الأدبية لأعمال طه حسين وديوان لجورج حنين.

وانضم لجماعة الفن والحرية الشهيرة التى كانت تشجع الفن الحر الجديد بأنواعه المختلفة مع فكر يسارى. واشترك فى التوقيع على البيان الشهير «يحيا الفن المنحط» احتجاجًا على هجوم هتلر على الفن التشكيلى.

كانت الحركة تكتب بالفرنسية ولم يكن لها ارتباط بالشارع المصرى، وشارك بالرسم والكتابة بالفرنسية فى مجلة دون كيشوت المناهضة للفاشية والتى كانت تعتبر توفيق الحكيم رجعيًا، وكتب فى المجلة عن مختار مبديًا إعجابه بتمثال الخماسين والتماثيل التى تمثل الواقع المصرى أكثر من النحت الممثل للطابع الفرعونى مثل نهضة مصر. وكان الشاب الفقير كامل يكتب بالفرنسية والإنجليزية والعربية.

ونشر فى مجلة الرسالة التى يصدرها أحمد حسن الزيات عام 1931 يدافع عن السريالية التى هاجمها الكثيرون قائلًا إنها تعبر عن أسمى وأنبل المشاعر الإنسانية، وقال إن صور محمود سعيد كلها متأثرة بمذهب فرويد. وظهرت لفترة قصيرة عام 1940 مجلة التطور، وكان للتلمسانى دور كبير فيها دفاعًا عن الحرية مع صبغة يسارية بالإضافة إلى الرسوم، وهاجم ظاهرة الزينات التى كانت تقام للاحتفال بالملك، وكتب يمتدح لوحة محمود سعيد ذات الجدائل الذهبية قائلًا إنها ملأت الدنيا كلها بتلك الابتسامة. ونصح محمود سعيد أم إنجى أفلاطون بأن تحضر مدرسًا يساعد ابنتها إنجى، وكان المدرس هو كامل التلمسانى الفقير الذى يعطى دروسًا لبنت برجوازية وربما هو الذى دفعها أيضًا إلى الإيمان بالاشتراكية. وقام بتعريفها على جورج حنين فاشتركت فى أول معرض للفن الحر عام 1940.

فى عام 1941 أقيم أول معرض منفرد له وأصبح التعاون مع جورج حنين ورمسيس يونان وآخرين، منهم ألبير قوصيرى الروائى وأدموند جابيس الأديب والكاتب المصرى اليهودى الذى هاجرإلى فرنسا فى نهاية الخمسينيات وحصل على أعلى جائزة فى الأدب فى فرنسا.

وشارك فى الكتابة فى المجلة الجديدة التى أصدرها سلامة موسى، وكان مهددًا بالقبض عليه من البوليس السياسى لنشاطه اليسارى.

فى عام 1943 حدث تغيير جوهرى فى مسار التلمسانى فقرر ترك الرسم والحركة السيريالية والاتجاه إلى السينما الواقعية، وربما يكون السبب فى ذلك هو شعوره أن الحركة السريالية مرتبطة بالبرجوازية فى المجتمع مع مجموعة الأجانب، ولكن السينما المصرية سوف تؤثر فى الجماهير من الشعب وكان ستوديو مصر مجالًا رائعًا للإبداع. وكان فيلم العزيمة للمخرج كمال سليم أول من عرض من السينما الواقعية فى عام 1939. وكان فيلم التلمسانى «السوق السوداء» فى عام 1950 أول أفلامه بطولة عماد حمدى وعقيلة راتب ورغم أن الفيلم قد فشل تجاريًا إلا أنه اعتبر أول فيلم يمثل الحارة المصرية بواقعية بالغة الصدق مع حوار وكلمات أغانٍ لابن الحارة بيرم التونسى، وقيل إن سبب الفشل أن الفيلم سابق لأوانه. وتحول التلمسانى إلى إنتاج أفلام تجارية تحت الضغط المادى فأخرج فيلم «البريمو» ومدرسة الأزواج ودموع الفرح، ثم عمل فترة كمدير إنتاج بعد ذلك.

غادر مصر إلى بيروت عام 1961 بسبب اشتداد الرقابة على الفنون وعلى المعارضين وزادت الاعتقالات، واندمج هناك فى أوساط الفنانين والمثقفين وانضم إلى الرحبانية وفيروز والمخرج الفلسطينى صبرى الشريف وحضر يوسف شاهين وانضم لهم وساعدهم فى سيناريو مسلسل وعدد من الأفلام.

وصدر حديثًا كتاب عن كامل التلمسانى بقلم محسن البلاس عن دار الثقافة الجديدة. وساعدت الأديبة مى التلمسانى المؤلف كثيرًا بإعطائه فرصة مشاهدة متعلقاته وقراءة نوتة شخصية له كان يكتب فيها برامج للإذاعة العربية فى لندن يقرؤها الطيب صالح، وعاد التلمسانى من لندن إلى بيروت وتوفى إثر أزمة قلبية فى 2 مارس 1972 فى شقته فى بيروت.

فى تاريخ الثقافة كم ضاعت مواهب واختفت أفكار مبهرة فى مصر ومناطق كثيرة من العالم بسبب الضغط السياسى على الموهوبين وإرهابهم وسجنهم، وربما كان جيل الستينيات وما قبلها نتاج الفترة الليبرالية قبل 1952. وهكذا رحل فنان مصرى عظيم متعدد المواهب انتقل من الرسم السريالى إلى الكتابة ثم إلى الإخراج السينمائى وتقديم سينما واقعية مختلفة، وفى بيروت كتب للمسرح ثم للإذاعة البريطانية. كان كامل التلمسانى شعلة فنية متحركة وطاقة جبارة أرهقتها السياسة القابضة على الحريات فى الشرق الأوسط ومات بعيدًا عن مصر التى كان يحلم بها ويعمل من أجلها طيلة مسيرته الفنية.

قوم يا مصرى.. مصر دايمًا بتناديك

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق