هل مشاهدة «لعبة جهنم» ستحولني إلى قاتل؟

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل مشاهدة «لعبة جهنم» ستحولني إلى قاتل؟, اليوم الأحد 30 أغسطس 2026 12:27 مساءً

كلما ظهرت على الشاشة حكاية عن جريمة قتل أو عنف أسري أو انتقام أو عالم من الجريمة، تبدأ المعركة المعتادة خارج الشاشة، ففريق يرى أن هذه الأعمال تجاوزت حدود ما ينبغي أن يدخل إلى البيوت، وأن المشاهد لم يعد بحاجة إلى المزيد من الدم والقتل والجريمة، وفريق آخر يذهب أبعد من ذلك، فيرى أن مشاهدة هذه القصص قد تعلم الناس العنف، أو تمنح أصحاب النفوس الضعيفة أفكارا جديدة يمكن أن تتحول في لحظة ما إلى أفعال حقيقية.

 

لكن المشكلة في هذا النقاش أنه يبدأ أحيانا من النتيجة قبل أن ينظر إلى الصورة كاملة.. خذ مثلا قصة لعبة جهنم، التي يقدمها محمد فراج ضمن مسلسل القصة الكاملة.. نحن أمام عمل درامي يستند إلى عالم الجريمة والعنف، لكنه لا يتعامل مع هذه العناصر باعتبارها استعراض محض للدماء أو محاولة لإثارة الصدمة من أجل جذب المشاهد.. هناك قصة وشخصيات ودوافع وتحولات نفسية وبيئة اجتماعية ونتائج تترتب على الأفعال.

 

وهنا تحديدا يجب أن نتوقف أمام سؤال أكثر أهمية: هل وظيفة الدراما أن تخفي عن المجتمع ما يحدث فيه، أم أن من وظائفها أن تنظر إلى أكثر مناطقه قسوة وتحاول فهمها؟

الدراما، في جوهرها، ليست نشرة أخبار، لكنها أيضا ليست مطالبة بأن تكون عالما مثاليا لا توجد فيه جريمة ولا انحراف ولا مرض نفسي ولا عنف، وإذا كانت الجريمة موجودة في الواقع فمن الطبيعي أن تصل إلى الدراما، كما وصلت قبل ذلك إلى الرواية والمسرح والسينما والصحافة والوثائقيات.

 

المشكلة إذن ليست في وجود العنف داخل العمل الدرامي، وإنما في الطريقة التي يقدم بها، والسياق الذي يوضع فيه، والغاية التي يخدمها.. هناك فرق هائل بين عمل يجعل الجريمة بطولة، ويقدم القاتل باعتباره شخصية جذابة تستحق الإعجاب، وبين عمل يستخدم الجريمة لكي يكشف طبيعة شخصية أو مرضا اجتماعيا أو تفككا أسريا أو خللا نفسيا يقود في النهاية إلى كارثة.

 

وهذا الفارق هو الذي يجعل الحكم على العمل من مجرد وجود مشهد عنيف حكما ناقصا. واللافت في بعض الأعمال الحديثة أن صناعها لم يعودوا في حاجة إلى إغراق الشاشة في مشاهد الدم حتى يجعلوا المشاهد يشعر بقسوة الجريمة، أحيانا تكون الصورة المبتورة أكثر قسوة من الصورة الكاملة.

 

أن ترى لحظة وقوع الجريمة ليس بالضرورة أكثر تأثيرا من أن تسمع صوتا، أو ترى وجها يتغير، أو بابا يغلق، أو شخصية تنظر إلى شيء خارج الكادر، ثم تترك الدراما لعقلك مهمة إكمال المشهد. هنا يحدث شيء مهم جدا.. 

المخرج لا يعطيك الصورة كاملة، وإنما يمنحك ما يكفي منها لكي تصنع أنت الصورة داخل رأسك. والخيال، في أحيان كثيرة، أكثر قسوة من الكاميرا. وهذه واحدة من أدوات السرد المحترفة التي تجعل العنف حاضرا من دون أن يتحول إلى فرجة.

 

لكن يبقى السؤال الأصعب هل يمكن أن تؤدي مشاهدة العنف إلى زيادة الميل للعنف لدى بعض الناس؟    الإجابة ليست بهذه البساطة التي يحاول البعض تقديمها، الإنسان ليس جهاز تسجيل يستقبل صورة عنيفة ثم يخزنها في بنك داخلي، ليخرجها لاحقا في صورة جريمة، السلوك الإنساني أكثر تعقيدا من ذلك بكثير، ويتداخل فيه البناء النفسي والتربية والبيئة والعلاقات الأسرية والظروف الاجتماعية والاقتصادية، والتجارب الشخصية، والاستعدادات الفردية.

 

لذلك فإن تحميل مسلسل أو فيلم مسؤولية صناعة العنف في المجتمع يشبه أحيانا محاولة تفسير ظاهرة ضخمة بعامل واحد. لو كانت مشاهدة العنف وحدها تصنع العنف، لكان كل من شاهد أفلام الجريمة قاتلا، وكل من تابع أفلام الحروب جنديا، وكل من قرأ رواية عن الجريمة مشروع مجرم.. وهذا ببساطة لا يحدث.

 

المتلقي يعرف في الغالب أنه يشاهد عملا دراميا، وقد يتعاطف مع شخصية أو يكرهها أو يخاف منها أو يحاول فهمها، لكن ذلك لا يعني تلقائيا أنه يريد تقليدها. بل إن الدراما تستطيع في بعض الأحيان أن تفعل العكس تماما.

 

قد تجعل المشاهد يرى نتيجة العنف بعدما كان يراه في الواقع مجرد رقم في خبر عاجل، جريمة قتل في الصحيفة قد تكون سطرين، أما الدراما فتمنحك فرصة لرؤية ما وراء السطر.. أسرة فقدت شخصا أما تنتظر ابنها طفلا لم يعد يفهم لماذا تغير كل شيء، وشخصا ارتكب جريمة ثم وجد نفسه محاصرا بعواقبها.

 

هنا لا تعلم الدراما العنف بل تكشف تكلفته الإنسانية، ومع ذلك لا يعني هذا منح صناع الدراما شيكا على بياض. هناك مسؤولية حقيقية تقع على الكاتب والمخرج والمنتج، فإذا تحول العنف إلى استعراض، والجريمة إلى وسيلة للإثارة فقط، والقاتل إلى نموذج جذاب، والأساليب الإجرامية إلى دليل إرشادي مصور، فإننا ننتقل إلى منطقة مختلفة تماما.

 

الدراما ليست معفاة من المسؤولية الأخلاقية لأنها خيال، لكن المسؤولية لا تعني حذف كل ما هو قاس، وإنما تعني أن نعرف لماذا نعرضه وكيف نعرضه. وفي قصة لعبة جهنم تحديدا، فإن النقاش الأهم ليس لماذا عرضتم العنف؟ بل ماذا أردتم أن تقولوا من خلاله؟

 

هذه هي النقطة التي يجب أن ينطلق منها النقد.. فالفن لا يصبح خطرا لمجرد أنه اقترب من منطقة خطرة، أحيانا تكون مهمته أن يدخل إلى هذه المنطقة، وينظر فيها، ثم يعيدنا منها بأسئلة أكثر من الإجابات.

 

نحن لا نحتاج إلى دراما تخبرنا بأن العالم جميل بينما نعرف أنه ليس كذلك، ولا نحتاج في المقابل إلى دراما تتلذذ بالقبح وتحول الجريمة إلى مادة للمتعة. ما نحتاجه هو دراما تعرف الفرق بين أن تعرض العنف وأن تحتفي به. وبين الاثنين مسافة كبيرة. 

 

لذلك، ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه بعد مشاهدة أي عمل من هذا النوع ليس هل كان فيه قتل وعنف؟ بل ماذا فعل بنا هذا العنف؟ هل جعلنا أكثر افتتانا بالجريمة، أم أكثر فهما لأسبابها؟ هل جعل القاتل بطلا، أم جعلنا نرى الإنسان الذي تحطم خلف الجريمة؟

هل تركنا أمام رغبة في تقليد ما رأيناه، أم تركنا أمام سؤال عن الأسرة والمجتمع والنفس والظروف التي يمكن أن تدفع إنسانا إلى حافة لا عودة منها؟

 

عند هذه النقطة فقط يمكن أن نحاكم الدراما.. فالواقع مليء بالعنف، والدراما لم تخترعه هي فقط أخذت جزءا منه، وأعادت ترتيبه داخل حكاية، وأضافت إليه أبعادا نفسية واجتماعية وإنسانية. أما أن نطلب منها أن تغلق عينيها عن الواقع خوفا من أن يراه الناس، فذلك لا يلغي العنف من الحياة، وإنما يلغي قدرتنا على التفكير فيه.

والفن الجيد لا يفترض أن يخيفنا مما يحدث في العالم فقط، بل أن يجعلنا نفهم لماذا يحدث، وماذا يترك وراءه؟ وفي أحيان كثيرة، تكون الصورة التي لا نراها أشد وقعا من الصورة التي تعرض أمامنا، لأن الشاشة تتوقف عند حدودها، بينما يواصل عقل المشاهد بناء المشهد. وهناك، في المساحة التي تركها صانع العمل فارغة، تبدأ الدراما الحقيقية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق