هل نحن أغبياء فعلًا؟

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل نحن أغبياء فعلًا؟, اليوم الأحد 28 يونيو 2026 01:18 مساءً

من أكثر التفسيرات تعسفًا في قراءة تاريخنا ذلك الذي يختزل هزائمنا كلها في سبب واحد هو الغباء. فوفقًا لهذا التفسير، لم تكن الخيانة أو اختلال موازين القوى أو الأطماع الاستعمارية هي السبب فيما تعرضت له الأمة من انتكاسات، وإنما كان الغباء وحده هو المسؤول عن كل ما جرى.


ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن العرب، أو المصريين على وجه الخصوص، لم يكونوا على القدر الكافي من الاستعداد في معاركهم الكبرى، بدءًا من هزيمة مصر المملوكية أمام العثمانيين، مرورًا بالنكسة عام 1967، وصولًا إلى التقليل من قيمة انتصار أكتوبر 1973 عبر التركيز على ثغرة الدفرسوار، وكأن تاريخنا لم يعرف إلا الهزائم، وكأننا خُلقنا غير مؤهلين لمعركة الحياة.


ولا شك أن هذا الطرح يحمل قدرًا من الحقيقة؛ فالاستعداد الجيد، وحسن الإدارة، وكفاءة القيادة عوامل لا غنى عنها لتحقيق النصر. لكن الخطأ يبدأ عندما يتحول هذا العامل إلى التفسير الوحيد، ويتم تجاهل بقية العوامل التي صنعت التاريخ.


ففي سقوط دولة المماليك، مثلًا، لم يكن ضعف المماليك وحده هو العامل الحاسم، بل كان هناك أيضًا مشروع توسعي عثماني استغل الشعارات الدينية لبناء إمبراطورية مترامية الأطراف على حساب الشعوب الأخرى، وأخضع أجزاء واسعة من العالم الإسلامي لسلطة مركزية استنزفت مقدراتها لعقود طويلة. إن اختزال تلك المرحلة في غباء المماليك وحده يتجاهل طبيعة المشروع العثماني وأهدافه التوسعية.


كما يتجاهل هذا التفسير قدرة المصريين على المقاومة، فقد واجهوا الحملة الفرنسية بشجاعة رغم الظروف القاسية التي فرضها الاحتلال العثماني عليهم، وتمكنوا من اغتيال القائد الفرنسي كليبر، كما انتهى الأمر بالقائد الفرنسي مينو إلى الاندماج في المجتمع المصري والزواج من مصرية، وهي شواهد تعكس حيوية المجتمع المصري وقدرته على التفاعل والمقاومة، لا حالة من الغباء المزمن كما يروّج البعض.


أما تجربة محمد علي، فمن الصعب تفسير تعثرها بالقصور أو الغباء. فمشروعه النهضوي اصطدم بإرادة القوى الأوروبية التي لم تكن مستعدة للسماح بقيام دولة مصرية قوية تنافس نفوذها في المنطقة. ولهذا جاء التدخل الدولي واتفاقية لندن عام 1840 لتقليص نفوذ مصر وإجهاض مشروعها التوسعي. وهنا تبدو المصالح الدولية أكثر حضورًا من أي تفسير يقوم على ضعف الذكاء أو سوء التقدير.


وتكرر المشهد مع الثورة العرابية، إذ استُخدمت مطالب الإصلاح داخل الجيش المصري ذريعة للتدخل البريطاني واحتلال مصر لعقود طويلة. كما واجه مشروع الرئيس جمال عبد الناصر ضغوطًا وصراعات إقليمية ودولية هدفت إلى إضعافه وتقويض مشروعه القومي في 1967، وهو ما يجعل قراءة تلك المرحلة بمنطق الغباء وحده قراءة قاصرة لا تستوعب تعقيدات الواقع.


وينطبق الأمر ذاته على حرب فلسطين عام 1948؛ فقيام إسرائيل لم يكن حدثًا عسكريًا مجردًا، بل كان جزءًا من مشروع دولي حظي بدعم سياسي وعسكري واسع. لذلك فإن تقييم نتائج الحرب يقتضي النظر إلى موازين القوى الدولية، وليس إلى أداء الجيوش العربية وحده.


أما في حرب أكتوبر 1973، فقد أثبتت القوات المسلحة المصرية قدرتها على تحقيق إنجاز عسكري كبير، لكن التطورات اللاحقة كشفت حجم الدعم الأمريكي الذي حظيت به إسرائيل خلال الحرب، بما يؤكد أن الصراعات الكبرى لا تُحسم فقط بما يمتلكه المتحاربون من كفاءة، وإنما أيضًا بما يحظون به من دعم وتحالفات دولية.


إن الأمم لا تنهزم بسبب الغباء وحده، كما أنها لا تنتصر بالذكاء وحده. فالتاريخ تصنعه منظومة معقدة من العوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستراتيجية، إلى جانب الإرادة الوطنية وكفاءة القيادة.


ومن الإنصاف أن نعترف بأخطائنا ونراجع تقصيرنا، لكن من الظلم أيضًا أن نتجاهل حجم الأطماع الخارجية والتدخلات الدولية التي أثرت في مسار تاريخنا. فالمراجعة الموضوعية لا تعني جلد الذات، كما أن الإيمان بوجود مصالح وصراعات دولية لا يعني الهروب من المسؤولية.

إن قراءة التاريخ بعين واحدة لا تنتج إلا أحكامًا ناقصة، أما القراءة المنصفة فهي التي توازن بين مسؤولية الداخل وضغوط الخارج، وبين أخطاء الذات وأطماع الآخرين.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق