نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سلسلة 200 عام على قصر العيني، تيودور بلهارس: العبقرية الألمانية التي كشفت لغز "مرض الفراعنة", اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026 08:27 مساءً
في إطار سلسلة 200 عام على إنشاء قصر العيني، وبمناسبة اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيسه، أعلن قصر العيني إصدار سلسلة مقالات أسبوعية تروي حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر.

كيف اكتشف تيودور بلهارس لغز مرض الفراعنة
تستمر فصول سلسلتنا التاريخية في تتبع مسيرة قصر العيني، لنسلط الضوء اليوم على حقبة دقيقة من تاريخه شهدت تحولات إدارية وعلمية كبرى؛ ففي عهد عباس باشا الأول، استعانت الحكومة المصرية بالإدارة الطبية الألمانية للإشراف على المنظومة الصحية، ورغم التدهور الشديد الذي أصاب المدرسة والتعليم الطبي في تلك الفترة، إلا أن بارقة الأمل الوحيدة والإنجاز العلمي الخالد الذي أضاء هذا العصر كان وجود العالِم الفذ تيودور بلهارس واكتشافه التاريخي لمرض البلهارسيا، وهو الإنجاز الذي لا تزال مسوداته ومدوناته الأصلية محفوظة حتى اليوم كشاهد حي داخل متحف تاريخ طب قصر العيني، لتروي كيف كان يقضي الساعات طويلًا في فحص جثامين الموتى للوصول إلى المسبب الحقيقي لهذا الداء المتوطن الذي أنهك أجساد المصريين لقرون.

وقد بدأت رحلة هذا العالم الإنساني حين ولد في ٢٣ مارس ١٨٢٥م بمدينة زيجمار ينجن الصغيرة في جنوب ألمانيا، لأب يعمل موظفًا في البلاط وأم سويسرية، حيث تجلت فطنته وذكاؤه منذ دراسته الثانوية ونظمه للشعر في صباه، قبل أن يلتحق عام ١٨٤٣م بجامعة فرايبورج لدراسة الطب، متأثرًا بأستاذيه "شرايبر" وأستاذ التشريح العبقري "أرنولد" اللذين تركا أكبر الأثر في تقدمه العلمي، حتى تخرجه عام ١٨٤٩م ممتلكًا الحق في ممارسة المهنة، غير أن شغفه الجارف بعلمي التشريح والحيوان جعله يسارع بتلبية دعوة أستاذه في الطب الباطني "جريزنجر" للسفر معه إلى مصر عام ١٨٥٠م للعمل مديرًا للجنة الطبية وتنظيم شؤون الصحة العامة.

وفي القاهرة، بدأ بلهارس مسيرته كمساعد لأستاذه جريزنجر، يلقي المحاضرات في مدرسة طب قصر العيني، ثم انتقل رسميًا لخدمة الحكومة المصرية مكلفًا بالإشراف الطبي على أحد الأقسام الإكلينيكية، ليبدأ على الفور في تحري الطفيليات الحيوانية التي أوصاه معلمه الشهير "فون زيبولد" باتخاذها مجالًا لأبحاثه، ليحقق في عام ١٨٥١م كشفه الطبي المزلزل برصد دودة تعيش في الدم أطلق عليها اسم "هيماتوبيوم" (Distomum haematobium) والمعروفة اليوم في العالم أجمع باسم "بلهارسيا"، حيث وصفها بدقة بالغة مبينًا للمجتمع العلمي كيف يختلف فيها الذكر عن الأنثى، فالمفلطحة العريضة هي الذكر والتي تحتوي في جوفها على الأنثى الدقيقة في حالة مجامعة مستمرة، ليعقب ذلك في مارس ١٨٥٢م بإثبات أن البيض المتكدس في الكيس المثاني هو المسؤول الأول عن التغيرات المرضية في المسالك البولية، ثم كشف بعد ذلك عن بيض مماثل في الأمعاء يسبب أورامًا تؤدي إلى الدوسنتاريا.

ورغم عودة معلمه جريزنجر إلى وطنه في مايو ١٨٥٢م، آثر بلهارس البقاء في مصر عشقًا لعلمها، فتم تعيينه طبيبًا أول في قسم الجراحة عام ١٨٥٣م، ثم كبيرًا للأطباء فأستاذًا للتشريح الوصفي عام ١٨٥٦م، حيث كان يلقي محاضراته على طلبة قصر العيني إلى جانب إشرافه الإكلينيكي المستمر، مخلّفًا وراءه أبحاثًا مهمة في فسيولوجيا العضلات وكتابًا قيمًا عن مشكلة الطاعون في مصر، حتى وافته المنية مضحيًا بحياته عام ١٨٦٢م عن عمر يناهز ٣٧ عامًا إثر إصابته بحمى التيفود خارج مصر، ليعودو يدفن في أرض مصر التي خلّد اسامها وخلّدت اسمه في سجلات المجد الطبي إلى الأبد.













0 تعليق