نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حكومة القروض!, اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026 01:56 مساءً
ليس الاقتراض عيبًا، ولا هو جريمة اقتصادية في ذاته، فكل دول العالم تلجأ إليه عندما تقتضي الضرورة، شريطة أن يكون وسيلة مؤقتة لتحقيق نمو حقيقي، لا أن يتحول إلى أسلوب دائم لإدارة الاقتصاد، فالاقتراض ليس غاية، وإنما أداة، والأداة التي يفرط صاحبها في استخدامها قد تتحول إلى عبء يهدد مستقبله.
وخلال مناقشات مجلس النواب للموازنة العامة للدولة، عاد ملف الديون إلى الواجهة بقوة، خاصة بعد إعلان الحكومة، في اليوم نفسه، قرضًا جديدًا يقارب أربعة مليارات يورو لصالح وزارة النقل، الأمر الذي دفع عددًا من النواب، وفي مقدمتهم النائب أحمد فرغلي، إلى التساؤل عن فلسفة الاقتراض، وحدوده، وجدواه الاقتصادية، في ظل استمرار ارتفاع الدين الخارجي.
وليس السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي قرض جديد: كم سنقترض؟ وإنما: من أين سنسدد؟ وما هي الجداول الزمنية للسداد؟ وهل المشروع الذي سيُمول بهذا القرض قادر على تحقيق عائد يكفي لسداد أصل الدين وفوائده، أم أن الدولة ستلجأ إلى قرض جديد لسداد قرض قديم؟
هذه ليست أسئلة معارضة، وإنما هي أول ما يطرحه أي مستثمر قبل أن يقترض، وأي رب أسرة قبل أن يحمل نفسه دينًا جديدًا، فكيف بدولة تتحدث عن مليارات الدولارات واليورو؟
ولعل ما يثير القلق أن بعض التصريحات الرسمية عكست فلسفة في إدارة الدين تستحق التوقف عندها. فعندما سُئل وزير المالية السابق محمد معيط عن كيفية سداد الديون، أجاب بجملته التي أثارت جدلًا واسعًا: "نستلف تاني." وربما كان يقصد إعادة تمويل الديون، وهي آلية معروفة في الإدارة المالية، لكن ما وصل إلى الرأي العام كان أن الاقتراض أصبح وسيلة لسداد الاقتراض، وكأننا ندور في دائرة لا تنتهي.
وفي الاتجاه نفسه، دافع الفريق كامل الوزير عن التوسع في الاقتراض لتمويل مشروعات النقل، مؤكدًا أن الوزارة "لا تقترض لنستهلك بل لننمو"، وأنها قادرة على سداد القروض من عوائد مشروعاتها، مشيرًا إلى أن لديها فائضًا من الإيرادات الدولارية، وأنها لا تحصل على مخصصات من الموازنة العامة. كما سبق أن قال في مناسبة أخرى إن الاقتراض بفوائد بسيطة أو شبه منعدمة أمر طبيعي لتمويل التنمية، معتبرا ذلك فرصة ينبغي اغتنامها.
لا خلاف على أن تمويل التنمية قد يحتاج إلى الاقتراض، لكن يبقى السؤال المشروع: هل الاقتراض أصبح الخيار الأول أم الخيار الأخير؟ وهل انخفاض سعر الفائدة وحده يكفي لتبرير الاستدانة، أم أن المعيار الحقيقي هو قدرة المشروع على إنتاج عائد مستدام بالعملة التي اقترضنا بها؟
فالقروض الخارجية تُسدد بالدولار أو اليورو، بينما تعتمد معظم الإيرادات المحلية على الجنيه المصري، وهنا تكمن المعضلة التي لا يجوز تجاهلها، خصوصًا مع تقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكلفة خدمة الدين عامًا بعد عام، وهروب الأموال الساخنة في أوقات حرجة!
ولا أحد ينكر أهمية الطرق والكباري والسكك الحديدية والموانئ، لكن التنمية لا تُقاس فقط بحجم الإنشاءات، وإنما بما تضيفه إلى قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وتوفير العملة الأجنبية.
ولو تأملنا خريطة الاقتراض خلال السنوات الماضية، لوجدنا أن الدولة لم تعلن عن برامج اقتراض كبرى تستهدف إصلاح التعليم بصورة جذرية، أو تطوير المستشفيات الحكومية، أو إعادة هيكلة شركات القطاع العام الخاسرة لتحويلها إلى شركات رابحة، أو إقامة مصانع عملاقة لإحلال الواردات وزيادة الصادرات.
إننا نجد أنفسنا أمام مسارين يسيران جنبًا إلى جنب: الاقتراض.. والتخارج من الشركات والمشروعات الرابحة!
تقترض الدولة لتوفير التمويل، ثم تبيع أصولًا لتوفير السيولة، ثم تعود إلى الاقتراض مرة أخرى. وهما مساران، إذا لم يصاحبهما توسع حقيقي في الإنتاج، فإن نتائجهما معروفة سلفًا؛ ارتفاع خدمة الدين، واستنزاف الموارد، واستمرار الحاجة إلى قروض جديدة.
ولهذا فإن البرلمان لا ينبغي أن يكتفي بالموافقة على اتفاقيات التمويل، بل من حقه، ومن واجبه، أن يطلب مع كل قرض دراسة جدوى معلنة، تتضمن قيمة المشروع، والعائد المتوقع، ومصدر السداد، والإطار الزمني لاسترداد التكلفة، حتى يكون الاقتراض قرارًا اقتصاديًا محسوبًا، لا مجرد رقم جديد يضاف إلى كشف الديون.
فالاقتصاد لا يُدار بالشعارات، ولا بحسن النوايا، وإنما بالأرقام والنتائج. وكل جنيه أو دولار يُقترض اليوم، سيدفع ثمنه مواطن غدًا، سواء في صورة ضرائب أعلى، أو تضخم أكبر، أو تراجع في الإنفاق على الخدمات الأساسية.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: كم اقترضنا؟ بل: متى سنتوقف عن الاقتراض؟ ومتى يصبح الاقتصاد المصري قادرًا على تمويل نموه من إنتاجه وصادراته ومدخراته، لا من الديون؟
فالأمم لا تُقاس بما تقترضه، وإنما بما تنتجه، ولا تبني مستقبلها بالقروض وحدها، بل بالاقتصاد الذي يستطيع أن يسددها دون أن يرهن مستقبل الأجيال القادمة. فعلا.. حكومة مدبولي جديرة أن يطلق عليها حكومة الاقتراض، وزيادة الأسعار وليس لديها أي حلول من خارج الصندوق.

















0 تعليق